31‏/12‏/2008

قصيـد لا يـزال تحـت القصـف (تتمّة)


مـن أيـن أتَـوْا ؟
مـن ثُقـبِ الصّمـتِ الآمـنِ !
مـن رُزمِ الفقـرِ العـربـيّ
وفـبركةِ الـدّولةِ للـدّولـةِ
إيـــه زمـانَ المـوتِ !
ألا وجـــعٌ ؟
قنبلـةٌ مـن بيـن فتـاتِ الـدّينِ
ومـا ظـلّ مـن الـزّمنِ الأوّلِ ؟
يكـذب هـذا النّـزقُ العـالـق في الـرّيـحِ
وتكـذب كـلُّ حكـومـاتِ الـرّدّةِ كـالعـادةِ !
لـو طـائـرةٌ كـانتْ ستـوزّع فينـا الحلـوى
كنّـا شتمنـاهـا !
فكيـف أيــا.... ؟
حـدّق طفـلٌ مـن بيـن شقـوق الحـائـطِ :
تسقـط غـزّةُ أو لا تسقـطُ
هـذا آخـر عهـدٍ للأمّـةِ يـا أشـرافُ !،،،
أَدمٌ نحـن أيـا ربَّ العـالمِ ؟
أمْ خِـرَقٌ ؟ وخِـرافُ ؟؟،،،
اِتّكـأ اللّـهُ علـى دَرَجٍ ينشـج قتـلاهُ
هتفـتُ :
أيـا سيّـدُ هـذي دمـاؤكَ !
هـذا رضيـعٌ !!
هـذا فمـه الـورديُّ ولا زال على شفتيْـه حليـبٌ !
هذه قـدمٌ...ليست قـدمًـا
بـل أغنيـةٌ سقطـتْ من جيبـهِ للتّـوِّ !
وينشـجُ في الصّمـتِ المُـوحشِ مثـل غـريبِ !
أنشـجُ في الصّمـتِ المُـوحشِ مثـلَ غـريـبٍ !
ألقـتْ طـائـرةٌ طُنّيْـنِ مـن الحقـدِ الصّهيـونـيّ
وألقـى العَـربُ الآنَ كـرامَتَهـمْ !!
لـو أنّهـا يـا مـولاي تـرشّ علينـا الحلـوى
كنّـا شتمنـاهـا !
فكيـفَ أيـا ... ؟؟
قـال فـدائيٌّ ينفـثُ كـالطّـائرةِ الأولـى :
اللّيلـةَ تُقصـف بئـرُ السّبـعِ !
دثّـره اللّيـلُ كثيـرًا
والأمّـةُ ،والغضـبُ الشّعبـيُّ
تسلّـل من بيـن الفَجَـواتِ
علـى فَخِـذيْـه عنـاويـنُ البَلْـداتِ
وشِفْـراتُ الإطـلاقِ السّـرّيّــةُ
إلـزمْ روحَـكَ يـا سيّـدُ
فـالـوطـنُ العـربـيُّ قتيـلُ ،،،
وسـلاحُ الـدّولـةِ مِمّـا رَكَنـوه هنـاكَ...ذليـــلُ !،،،

30‏/12‏/2008

قصيد لا يـزال تحـت القصف ( لا زلت أكتبه)


مـن أين أتـوْا ؟
مـن ثقـب الصّمـتِ الآمِـنِ
مـن رُزَمِ الفقـرِ العـربيّ
وفبـركةِ الـدّولةِ للـدّولةِ
إيــه زمـانَ المـوتِ
ألا وجـعٌ؟
قنبلـةٌ مـن بيـن فتـاتِ الـدّين ؟
ومـا ظـلّ مـن التّـاريخِ الأوّل ؟
يكـذبُ هـذا النّـزقُ العـالقُ فـي الـرّيح
وتكـذب كلّ حكومات الـرّدّة كـالعـادة
لـو طـائـرةٌ كـانت ستـوزّع فينـا الحلـوى
كنّـا شتمنـاها
فكيـف أيـا ...؟؟،،،
حـدّق طفـلٌ مـن بيـن شقـوق الحـائط :
تسقـطُ غـزّة أو لا تسقـط
هـذاآخـرُ عهـدٍ للأمّةِ
يـا أشـرافُ،،،
أدمٌ نحـن أيـا...
أمْ خِـرَقٌ ؟
وخِـرافُ ؟،،،



28‏/12‏/2008

إنّه الغضب

نشكر همّة أعضائكم الجنسيّة
في صدّ هجوم الجيش الإسرائيليّ
وإلقاء الصّمت على المغتصبات،،،
نشكركم يا فضـلات،،،
مظفّـر النّوّاب

26‏/12‏/2008

هزّ الشّوق ـ عادل عبد المجيد (هديّة)

دوز : آليّة الشّعـر(2)

يُعتبر الفنّان الرّقيق عادل عبد المجيد من أحبّ المطربين إلى قلوب اللّيبيّين ،وقد اشتهر بأغنيته " هـزّ الشّوق " التي كتب كلماتها

الشّاعر فرج المذبّل...

هـزّ الشّـوق حنـايا الخـاطـرْ
هـدرْ دمعِك يا عيني مـاطرْ

وصديقي الشّاعر منير بن نصر يعشق هذه الأغنية حدّ "الإزعاج"...لذلك استوحى منها هذا القصيد الجميل :

ريـح الشّـوق يـا ريتْ ايهـدّي
ويهـدى مُـوج مراسي ودّي

* * *
لـوْ ايهـدّي معايـا ينـاجي...شُـوق أمواجـي
نصبـرْ لِيـن تهـدِّي أوجـاعي ...وطـرْف أصبـاعِي

يـواسِي شُـوق مـدامعْ خـدّي
* * *

زيْ المـوجْ أريـاحْ الخـاطرْ...كِي تِسّـاطـرْ
حتّى كان خيـالهْ مـواعدْ...بِي يتبـاعـدْ
بحـر الشُّـوق تقـاوَى ضــدّي
* * *
بحـر الشُّـوق تقـول هـديرْ...أمـواجْ تسيـرْ
وْوِين اعمـلْ المـوج حنـايا...سكـنْ غـلايا

وبيـن حنـايا ضلـوعي معـدِّي

25‏/12‏/2008

دوز : آليّة الشّعـر(1)

عدت إلى دوز...مدينتي التي أحببت وخاصمت...
هناك ،كان اللّقاء مع أصدقائي العديدين...منهم منير بن نصر...هو شاعر شابّ أدمنتُ معه الحوار حول ضرورة تجديد الشّعر العاميّ ،وكان به ولع لذلك التّجديد...لن أطيل عليكم لأقدّم إحدى قصائده التي أعجبتني ،والتي أنشرها لما رأيت فيها من محاولة للتّجاوز وللتّأسيس.
همس عيونها
بـرموشْ همـس عيونهـا
غطّتنــي
وبـديتْ نحلـمْ...من مكانْ بعيد ، بعيـدْ
وولّيتْ نعلمْ...ماكان عنـدي عِلِـمْ
سـاكن جنـاح اللّيـلْ
شطـوط الغـلا والـوِيـلْ
كـان جفنهـا حـاضِنْهـا
استـوحِيت شعـري منهـا
وبـديتْ بيهـا نعلـمْ
ومـن دمعهـا خطّيـتْ
وصـوّرتْ منهـا معلـمْ
وعـلْ دمعهـا مـرّيـتْ
ورسمـتْ حُلـم الغـربـه
بصـوتْ القطـا فـي سِـربـه
ريـتْ المِكـانه عـاليـه
فـأوكـارْ كانـت خـاليه
والسّـربْ فـات عشـوشهـا
والعـشْ كان رْمـوشْهـا
خـالَفْ ثِنـايا الـدّرِبْ
وخـالَفْ ثنـايا القلـبْ
ورِحلـتْ "جميلة" فـاتتْ
رِحلـة سفينة نــوحْ
راحـتْ بعيـد تعـدّتْ
فـاتتْ مـرافيهـا
وبـابـلْ بـدتْ أوهـامْ
منهـا سكبـت الكـاسْ
صـوتي همـس بحسّــه
والجـرح خـامـدْ دسّـه
وعـزفـه علـى لَـوْتار
بحـر وغــلا فـي عيـونها
حـرّك جـريد نخيلهـا
زيْ رِمشهـا يحكيلهـا
بصـوتْ صمـتْ الـواحه
وشمـوخ النّخـلْ
يـرسُم معـاني الحـلْ
ويا ريتني مـا كتبتْ
يـا نجماتْ في الماضي...ضِـوَنْ
وتخـايلتْ كانتْ حِلْمـه
وسـط المـدينه النّـايمه
سـافر معـاي الصّمتْ
وويـنْ رَمِّشـتْ هَلّلـتْ
وكيف همّـدتْ ظلّلـتْ
وبيـه الظّـلامْ رضيـتْ
وبْعينهـا مـا ريـتْ
رغـم الـودايد بـايْنـه
ولّـتْ علـيّ هـاينـه
سـايرت السّـرابْ وحِلمـه
حلمـه وراهـا حلمـه
بحُـورْ المـدامعْ ظلمـه
وبــيّ زمـاني هــدّى
بـرمـوشها...غطّيـتْ
وحلمـت...وحلمت...حلمـــة أمـــلْ

19‏/12‏/2008

دبكة المهابيج ـ الستّ ـ استماع...تذكّروني بعد سماعها


إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (7)

سيّدتي !
لم يبحث الرّحابنة عن مزاوجة ساذجة بين الحداثة والتّراث..فهذه الثّنائيّة " المقيتة " أسقطت تجارب فنّيّة عديدة في عالمنا العربيّ...
لذلك حين اشتغلوا على التّراث أبقوا على أسس الدّبكة اللّبنانيّة كما هي ...فلم يذهب بهم الحماس والجهل بعيدا لتهشيم بنائها الفذّ ،ولقمه بالقوّة ما يلفضه نسيجه الموسيقيّ المعروف.
سيّدتي !
لقد تناول الرّحابنة تجديد الدّبكة على مستوى الكلمة...حيث ارتقوا بها إلى النّصّ الشّعريّ ،دون أن يسفّوا بها كثيرا لتماثل نصوصهم الأخرى...فظلّ البناء الشّعريّ الذي تقف به أمينًا للمتعارف التّقليديّ ،لكنّهم نقّوا الكلمة من مدلولات السّذاجة والضّيق والصّور المستهلكة.
سيّدتي !
تلفي خيـام لهن
من الصّحارى البعيدِه
وتضوي على ظلّهن
نار اللّيالي السّعيدِه
وما في حدا يقلّهن
عن الجراح الوجيدِه
وأنا أرى أنّهم بذلك التّناول الخلاّق قد فتحوا طريق التّجديد في مسألة التّراث الشّعبيّ ،لكنّ من انتبه لبوصلتهم قليل...قليل...
وقديما قال مظفّر النّوّاب :
كـم قليل من النّاس
يترك في كلّ شيء مـذاق !!

16‏/12‏/2008

مشوار ـ الستّ ـ استماع


إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (6)

سيّدتي !
لا زلتُ أرى أنّ الأغنية الجميلة تفيض عن قصيدة حالمة...ولا زلتُ أرى أنّ شعر الرّحابنة المدهش دفع بموسيقاهم بعيدًا...نحو مكامن أركستراليّة صدمت بحداثتها جسد الأغنية العربيّة المترهّل تحت وطأة الزّوائد والقولبة.
سيّدتي !
إنّ بساطة البناء في شعر الرّحابنة ،سمح بتكثيف صور الطّفولة حيث المروج والدّرج والأراجيح والبيت العتيق..وقد التحفت هذه الصّور بالثّلج والشّمس والفصول والحنين ممّا أكسبها نقاء خاصّا يفتح ما أُغلق في ثنايا الرّوح ،فينسكب الضّوء على المنسيّ ،وينتشي العمق ،ويشفّ حدّ الصّمت...
سيّدتي !
إنّ لأغانيكِ ـ التي كتب عاصي ومنصور كلماتها ـ مذاقا فريدا..يعيد رسم الطّفولة ،ويلوّن فضاء الذّاكرة بالضّوء والأصوات والغيوم...
مين قال حاكيتو وحاكاني
ع باب مـدرستي
كانتْ عم تشتّـي
إنّه شعر يلتقط الأشياء والتّفاصيل الصّغيرة ،مترفّعا عن الشّموليّ ..شعر مليء بالموسيقى ،فلا يعقّد الرّحابنة معالجته الفنّيّة ،بل يتبعون إيقاعاته بحجمٍ موسيقيّ يبدو ضئيلاً ،لكنّه يندمج بالشعريّ وبصوت فيروز الخرافيّ..فلا يبحث عن تأكيد ذاته الخاصّة به دونهما...
وقالوا شلحلي ورد ع تختي
وشبّاكنا بيعـلا
شـو عرّفو أيّا تختي أنا
وأيّا تخت أختي ؟
بيلفّقـوا أخبـار...مشوار

13‏/12‏/2008

ابواب ـ الست ـ استماع


إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (5)

سيّدتي !
ـ أريد أن أسكر هذه الليلة!
هكذا افتتح " فكري " جلستنا .كان منحنيا على جهاز التّسجيل الهرم يضع شريطا لفيروز.تمتم كأنّما يخاطب نفسه:
ـ هذه المرأة أغنتني عن كل الآلهة!
هتفتُ بسخرية غير صادقة:
ـ الآلهة؟ صحّ النوم! ألم يبلغك بعد أن البشريّة، أو معظمها ،قد وحّدت آلهتها في واحد أوحد؟
واصل " فكري " غير عابئ بملاحظتي اللاّهوتية:
ـ ليس سهلا أن تملأ فراغ آلهة ماتت في قلبك.
تناولت كأسي الأولى...تأملت صفاء النبيذ بها...قلت بصوت حزين:
ـ آه كم تحمل هذه الكأس من شجن الذكرى،ومن تعب الحاضر..سأعدّ كمْ جثة تطفو فوقها...واحدة...اثنتان...ثلاث...
سأعد بالعشرات أفضل...
ـ دعنا من قتلاك يا سيد " أحمد "...نريدها ليلة أنس.قاطعني "فكري ".
ـ تقصد ليلة بلا ذوات؟وهل أقدر؟
ـ رغما عنك...ابلع ذاتك واصمت...
ثم رفع صوته يتابع أغنية بدت لي حزينة...أفرغت كأسي وخيل إلي أنني رأيت وجه " قمر "بأسفلها كزنبقة مبلّلة بالمطر...تضايقت..لا أطيق الشرب في هذا الجو القسريّ...كان عليّ أن أختار نديما آخر غير " فكري "...هو لا شكّ أقرب صديق لي،ولكنه يتعمّد لجم الكشف العميق للذات،وإقصاء التفاصيل التي تحلو لكلّ منا ـ وأنا خاصّة ـ تتبّع خيوطها في الماضي..قصة حب صغيرة مثلا...تعود لأيام الدراسة،رسالة ما من أحد ما،أغنية لم يبق منها سوى لحن أعرج ضاعت كلماته بين صرير العمر...وكلّما ساءلت نفسي:لمَ يحظى " فكري " بهذه المكانة رغم القرف الذي يقطر من لسانه؟ كانت الإجابة أسرع مما تصوّرت:لأنّني بحاجة إليه...بحاجة إلى من يوقف هذا السفرالمتواصل،والإبحار العميق بعيدا عن النّاس والعالم إلى جزر قصيّة،صنعتها من أحلام وأوهام،أغلقها على نفسي قانعا ،راضيا،سعيدا،منتصرا لذاتي المتحرّرة من قيودهم وسذاجتهم...
ـ لا تنس الكأس!نحن بالكاد ابتدأنا.
وصلتني صيحة " فكري " كأنّما من علوّ شاهق،،طفوت..
ـ أفق!أين الغيبة؟
سيّدتي !
هذا هو الجزء الأوّل من رواية أكتبها الآن...وكما ترين فإنّك بين ثناياها ،بل أنت بدؤها !فما بدء الأشياء سوى أعظمها.
بقي أن أعترف لكِ...فالأغنية التي وضعها "فكري" كانت :
ابواب ابواب

شي غرب شي اصحاب...


11‏/12‏/2008

سمرا يام عيون وساع ـ الستّ (استماع)


إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (4)


سيّدتي !
كنت ممتلئًا بكِ...حيث أنّني أمتلك مجموعة من أغانيك ظللت طويلاً أحسب أن لا أحد يمتلك مثلها...ثمّ ،وذات صباح ، وكنت أستعدّ للخروج فجرًا سمعت هذه...
سيّدتي !
كان البرد في قلبي وفي خارجه قاطعًا،وكان قلبي كعصفور يتيم تحت المطر...سمعت :
سمـرا يا أم عيون وساع
والتّنّورة النّيليّه
مطرح ضيّق ما بيوساع
راح حطّـك بعينيّ
كنتِ أنتِ ...أنتِ تملئين الفراغ من حولي،وتقفين كما عهدتكِ شجرا مورقًا في عتمة الفجر الأبديّ...
سيّدتي !
كانت الإذاعة التّونسيّة تبثّها ،وكان المذيع رجلا أعرفه (كنت أغار من أنّه يحبّك)...أذكر اسمه لا بأس...إنّما ليس الآن... فلا اسم يمرق معك يا زهرة العرب الجميلة !
طلبت الإذاعة...وجاءني صوت نسويّ محايد :
ـ تفضّل !
ـ أريد أن أسأل عن الأغنية.
ـ ماذا تريد ؟
ـ أرجو أن ترسلوا لي هذه الأغنية يا آنسة !
ـ عليك الاتّصال بسي....بعد السّاعة العاشرة !
سيّدتي !
لم يكن لي أن أنتظر سوى صدفة ...صدفة جاءت بعد خمس سنوات طويلة...لأستمع إليكِ تغنّين : سمرا يا أم عيون وساع...
لِمْ بتكوني حدّي بشوف
الدنيي مزارع ورد وفل
جوانح تعبانة ورفوف
حساسين تزقزق وتطل

09‏/12‏/2008

حبّيتك تنسيت النّوم ـ الستّ ـ استماع

إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (3)

سيّدتـي !
أنا حزين حدّ الصّمت...في يوم لا يفترض فيه كلّ هذا الحزن...ولكنّ أبا الطّيّب سبقني في القول...بما مضى أم لأمر فيك تجديد ؟
حزين بأعماق روحي في عيد أعرف أنّك لم تعيدي فيه مسرحة العالم ،ولم تتقرّبي إلى الآلهة بدم...بارد...
سيّدتي !
حزين ،وسأكشف لكِ سرّي الصّغير...لقد بكت ابنتي خروفها !...وأبكتني.
أهديتها أغنيتك ظلّك عيد ...إنّما قد بلغ حزنها مشارف حزني الدّهريّ...والتقيا كمرج البحريْن...كسهم في قلب جرح نازف...
سيّدتي !
أنا زجاج هشّ على إطار من حديد...وأغنية عصفور في صيحة محارب قديم.
ألجأ إليكِ حين يبلغ القيح الحنجرة...فأغسل مجاهيل روحي على أعتاب صوتك الأسطوريّ...وأرى العالم بابتسامة عريضة باكية...
هونيك فيه سجره على النّبع العتيق !
كيف الوصول إلى ما تشير بوصلاتك ؟ كيف ؟؟
أنا طفل ينام ملء جفنيْه بهدهدة صوتك ! وأنا أهدي أغانيك للأطفال كما تُهدى الحلوى والبالونات والطائرات الورقيّة.
أهديتك ابنتي غفران فأحبّتكِ ،وتحوّل الدّمع في عينيها إلى خرز أخضر نقيّ...
قالت : بربّي سمّعني "السّت"...

Fairouz.jpg


HOSTED FREE AT BOXSTR.COM

05‏/12‏/2008

إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (2)

سيّــدتي !

لقد أصبح الكلّ شبيه الكلّ...لكنّك استعصيت على أن يشبهك أحد أو يشبه صوتك صوت !
وفي زمن ـ جميل لا شكّ ـ طوّرت فيه الموسيقى العربيّة حالها ، ووظّبت فساتينها ،ووضعت على وجهها مكياجا ناعما (عدا بعض الاستثناءات التي بدأت تتكاثر مع الأسف)،،،في زمن أطلقت هذه الموسيقى نفسها من عقال التّمطيط السّاذج والمداخل الرّتيبة والمطوّلات الخانقة ،وأسلمت قدميها لإيقاعات عصر جديد...في هذا الزّمن السّريع اللاّهث ،مازالت أغانيك هدفا أمام الموسيقى العربيّة الحديثة وليس خلفها...
ما زالت موسيقى عاصي ومنصور ـ شعرا وتوليفا ـ منارا ينير درب الأغنية في الشّرق عموما ،ويوحي إليها بالوجهة الصّحيحة التي عليها أن تتّجهها...

سيّــدتي !
لم يتّفق العرب على شيء كما اتّفقوا على صوتك !
ولم تسع " الدّولة الدّيموقراطيّة " الحديثة اللّبنانيّين كما وسعتهم أغانيك...
أتذكرين سيّدتي أيّام الحرب الأهليّة المدمّـرة ؟
نحن نذكر ! وأنا أذكر... أنّك ظللت هناك آمنة وسط صراع مجنون مع الكلّ وعاقل جدّا معكِ...
أذكر كيف يتوقّف القتال على كلّ المحاور لتمـرّي من بيتك هنا إلى بيتك هناك...
أذكر صوتك ينطلق من كلّ الإذاعات بكلّ تناقضاتها الحادّة...
سيّــدتي !
كيف مررتِ من بين كلّ ذلك ؟
وكيف حُطّـم كلّ شيء في بيروت سواك ؟
كيف وحّدت كلّ ذلك الشّتات من عروبيّين وثوريّين وشيوعيّين ؟ موارنة وشيعة وسنّة ؟ كتّابا ودراويش وسماسرة وتجّار حروب ؟ كيـــف ؟


Free File Hosting at
BOXSTr.com

03‏/12‏/2008

إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (1)

سيّـدتي !
لا زلتُ أقول لزوجتـي بتعـالٍ طفـوليّ :" لـو كنتُ لبنـانيّا ، لغنّـت فيـروز من شعـري ".
ولا زلـت ـ سيّـدتي ـ أحلـم بلقـائك دون أن أعـدّ لـذلك سـوى حبّـي لك ،وانتشـائي اللّـذيذ بـوجهكِ التّاريخيّ الآسـر ، وبصـوتكِ الكـونيّ البـريء .
سيّــدتي !
كـانت المـرأة الأولـى التـي أحببـتُ لا تهتمّ كثيرا بأغانيكِ ، ولا تحفظهـا. ولـذلك ، حين افتـرقنا ، وحتّـى أشـدّ على جرحي الغائر،قلـت : " هي لا تعشق فيروز ،وهذا يكفي."
واندمل الجرح،بخسارات متفاوتة ،ولم يندمل شغفي بفنّك ,ولا اندمل حضوره الدّائم في روحي.
سيّــدتي !
ثـمّ أحببت ثانية...كانتْ كقطّة مـرج بـرّيّة...تختفي أظافرها الجميلة كلّما عانقتها ،ويهـدأ شعرها المتوحّش بين أصابعي... امرأة حين أضمّها تأتي إلى حضني البراري والصّحارى البعيدة ،وتصهل في جنبيّ خيول أصيلة.
قلتُ لها مرّة ،وعصفور صغير يعدّ لحنا لحبيبته على غصن شجرة قريبة :
ـ أتعرفين فيروز ؟
قالت كأنّها كانت تنتظر سؤالي :
ـ يـا داره دوري فينـا
ظلّي دوري فينـا
تننسـى أساميهم
وينسوا أسامينـا
واندفعنا نغنّيها...هي بفرح صوتها المثير...وأنا بحزني المتوارث ،وبرغبتي المختبئة بين الضّلوع.
هذه الأغنية التي لحّنها فيلمون وهبه ،والتي عندما سمعتها حماتك ـ سيّدتي ـ قالت :
ـ بعد بعد هيك غنّيّه ما فيه !
كانت تظنّ أنّها من ألحان ابنيها عاصي ومنصور.
سألونـا وين كنتـو ؟
وليش ما كبرتو انتـو؟
بنقلّن : انسينا !
dara-dory.mp3

Free File Hosting at
BOXSTr.com

27‏/11‏/2008

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا ـ ج 6

محمّد حسن : جروح الثّورة والخيمة
ارتبط بالثّورة- الدّولة كما لم يرتبط فنّان من قبل ،وطاب له المقام هناك.وهو ما جعل تجربته الموسيقيّة غناء ولحنا فاترة في أسماع اللّيبيّين ،إلاّ قليلا.
لا شكّ أنّ محمّد حسن ملحّن ومطرب موهوب ،غزير الإنتاج ،لكنّه قيّد كلّ ذلك إلى وتد شديد الثّبات ،بالكاد سمح له بإظهار موهبته ،والإيغال في مساحات التّجديد والتّحديث.لقد أضاف للموسيقى اللّيبيّة الشّعبيّة كثيرا ،وبرزت في ألحانه خلفيّاتٌ أخّاذة بدت كأنّها بعد ثالث لأغانيه ،رغم وحدة الإيقاع الذي أصرّ عليه.
بدأ بروز محمّد حسن مع "ثورة الفاتح" حيث غنّى لها ،ولقيادتها بحماسة مفرطة ،أفقدته موقع الفنّان المستقلّ الذي كان من الممكن أن يتيح له خوض مغامرات التّجديد الدّائم ،ولم يكن اللّيبيّون ينتبهون لهذه الأغاني الجميلة واعتبروها تملّقا لثورة لم يفهموها ولم تفهمهم ،فاقترب كلاهما من الآخر مبتعدا عنه.
إنّ تجربة "النّجع" و"الخيمة" سمحت بجمع تراث جلّ المناطق والجهات في ليبيا (على خلاف ما حدث في النّوبة التّونسيّة) وقد استعان محمّد حسن بأجمل الأصوات العربيّة واللّيبيّة ليضمن النّجاح ،وللتّشويش على تلك الصّورة التي حملها اللّيبيّون عنه ،ولم يكن هناك مشكل في الكلمة في ما قدّمه ،فالشّعر الذي وظّفه محمّد حسن كان عظيما من أفواه وقلوب شعراء عظام.
وأحسّ هذا الفنّان قبل غيره بوصول تجربته إلى نهايتها ،وشعر بالعجز عن تطويرها،حتّى لقد صرّح أخيرا بملله ممّا فعل. إنّه مشروع موسيقار كبير رأى ،ذات يوم، أنّ عليه الالتصاق بتراثه موافقا بذلك رأيًا فكريّا "للقائد" بخصوص الفنّ ،فالتصق به حدّ الاختناق.
كان عليه ،بعد التّأسيس لأغنية شعبيّة راقية، خوض تجربة أعمق في التّأليف الموسيقيّ ،والاشتغال على نصوص أخرى وإيقاعات أخرى ، تحرّر موهبته الكبيرة ،فهو من طينة الكبار الذين استمرّوا في العطاء بحبّ شديد ،وبغزارة تلفت النّظر ،على عكس البعض من معاصريه شرقا وغربا أولئك الذين جفّت عطاءاتهم سريعا ، وتفرّغوا للظّهور هنا وهناك فارغي الوطاب ،يلهثون خلف قديم غيرهم يكرّرونه تحت مسمّيات غريبة ،حتّى مللناه ومللناهم.
لقد قدّم محمّد حسن للّيبيّين وللعرب أغانيه التّراثيّة بحرفيّة عالية ،وضمن جوّ موسيقيّ حالم مكثّف ،لكنّه لم ينفتح على العالم إلاّ بمقدار ما انفتحت الثّورة التي عاش يغنّيها


Free File Hosting at
BOXSTr.com

22‏/11‏/2008

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا ـ ج 5

بلقاسم بوقنّه : فرادة الشّعريّ / حين العمق بلا فنّ
ما الذي دفع بلقاسم بوقنّه إلى الغناء ؟ وما الذي دفعه إلى الغناء بذلك الشّكل ؟
سؤالان لطالما طرحتهما على نفسي لفهم ظاهرة هذا البدويّ الهادئ المحتفظ بعبق الماضي البعيد ،اللاّهث وراء الشّعريّ المنبثّ في عالم الصّحراء السّاحر.
سؤالان أحسب أنّ بلقاسم لم يرغب يومًا في مواجهتهما ،ممّا أدّى إلى " تبسيط بريء " لمسألة الغناء والموسيقى في تجربته...ومن الغريب حقّا أنّه عند اقتفاء طفولته وشبابه لا نجد للغناء في حياته مكانًا ،ولذلك أنهى دراسته الثّانويّة دون أن يفكّر في الالتحاق بمعهد للموسيقى ،والأغرب أنّ عازفيْه على آلتيْ العود والأورغ يجهلان الموسيقى أيضا،وأقصد المعنى الأكاديميّ.
إذن ما الذي جعل بلقاسم بوقنّه ينجح في شدّ الأسماع على الأقلّ في مناطق الجنوب ؟
إنّه الشّعر !
شعر ينبض بلغة حالمة ، يحكي مجاهيل المكان وقسوته ،ويفيض بالحبّ خجولاً متنقّبًا أحيانا ،ومندفعًا شهيًّا فاضحًـا أحيانا أخرى...شعر كان صاحبه يلقيه إنشادًا وشدوًا في الأعراس الضّاجّة بالصّمت والاستماع والغرائز...شعر حين قدّمه بوقنّه فوجئ به ،واستعصى عليه تناوله موسيقيّا ،فتركه للإنشاد الذي كان عليه في الأصل.
وكان ذلك سينجح إنّما بشرطيْن لم يرد بلقاسم تحقيقهما أبدا :
ـ أن يبحث عن معالجة موسيقيّة جدّيّة لما بين يديْه من شعر عظيم ومميّز ،فيطوّر تجربته ويوسّعها بالاستعانة برؤًى واشتغالات أخرى لموسيقيّين آخرين.
ـ أو أن يتوقّف (وأزعم أنّ الوقت فات) فلا يكرّر نماذجه اللّحنيّة الرّتيبة التي سيرتطم بها غناؤه ذات يوم أكيد.
وهو ما رفضه بلقاسم ،ليحتفظ لنفسه ولمستمعيه بصورة فنّان محتشم عصاميّ مكتفٍ بذاته بعيد عن بهرج النّجوم في عالم الفنّ ،وهي صورة قد " تسوّقه " برهة من الزّمن ليضيع بعد ذلك شعر عظيم ،وصوت جميل.

19‏/11‏/2008

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا ـ ج 4

النّوبة : جباية المهمّش / حين الفنّ بلا عمق
كانت النّوبة تجسيدا لشعار العودة إلى التّراث...وحين تحوّل الشّعار إلى تطبيقاته ،سمح ذلك للبعض بتحقيق الشّهرة والمال.
وكان من الغريب أنّ صاحب الفكرة في النّوبة لم يُعرف عنه اهتمام سابق بمسألة "الفنّ الشّعبيّ" ،وأحسب أنّه كان من أولئك الذين ينظرون إلى هذا الفنّ بازدراء ،مثله مثل النّخبة "الحضريّة" وقتها.
كانت فرصة للبروز بضجّة "موسيقيّة" عارمة ،أفضى عليها صاحبها لتبريرها "عودة وعي" فجائيّ ،ومسرحة لم تكن توازي بحجمها ذاك ضحالة العرض ،وتهافت محتواه.
فكرة بسيطة كان مطلقها قبل ذلك يقدّم نفسه ، بل ويعيش ، كأسطورة غائمة لا تنتج سوى الأفكار العظيمة ، ويربو بنفسه و"ذاته" وفنّه المسرحيّ عن الكلاسيكيّ والشّعبيّ والسّائد.
جَمعً لا متجانس من "العازفين" و"المطربين" خرج بعضهم للتـوّ من أزقّة الحواري وظلمتها ،ومن حفلات الأعراس في الأحياء البائسة ،وأُلقِي بهم في أتون عرض باهر غصّ به مسرحٌ ،أغلب الظّنّ أنّ من غنَّـوْا فوقه لا يسمعون بوجوده أصلا.
وبـدا كأنّ مصالحة قد تمّت مع التّراث ،في حين قد غُـيّب ما تبقّى منه في الجنوب خاصّة.
لقد أُعيد التّراث الغنائيّ الشّعبيّ لكنّه أعيد موحَّدا متجانسا ونمطيّا ،بالضّبط كما سبق تقديمه عن طريق هؤلاء في المسرح والسّينما أي جسدا مشوّها ،مليئا بالرّغبات المكبوتة والمختزلة ،باحثا عن نفسه في الآخر على ضفّة المتوسّط الشّماليّة.
(الحلقة القادمة : بوقنّه :حين العمق بلا فنّ)

16‏/11‏/2008

حس القطا : العمل الجديد لفرقة بلديّة دوز


أمام جمهور من العادة ألاّ يحضر بذلك العدد الغفير لمشاهدة عمل لفرقة "هاوية" عرضت فرقة بلديّة دوز للتّمثيل إنتاجها الجديد "حس القطا" على ركح دار الثّقافة "ابن رشيق بالعاصمة" يوم السّبت 15 نوفمبر 2008 في نصّ للكاتب إبراهيم بن عمر وإخراج لحافظ خليفة وبمشاركة الممثّلين عبد النّاصر عبد الدّائم وجلال عبيد أساسًا مع مجموعة شابّة مكرم السّنهوري وجهاد عبيد  ومحمّد بن علي...

ابراهيم بن عمر : الوجه الآخر

عرفته الفرقة بنمط من الكتابة المسرحيّة تميّز بلغة مكثّفة عالية ، وجرأة في الطّرح تسرّبت من خلال لغة جميلة شفّافة حرص كثيرا على أن تظلّ ملتصقة بلكنتها "المرزوقيّة" مع الاجتهاد في تنقيتها وإعلائها.
إنّ أعمالا مثل "خلّي عزاها قيرّه" و"عود رمّان" و"قارانتي" وغيرها تكشف عن مبدع حقيقيّ يشتغل على لغته طويلا ويحتمي بها فيكشف منها وفيها حنينه لطفولته ، ويقتنص في ظلّها صورا من بيئته قد لا تثير أحدا غيره لكنّه حين يقدّمها عملا فنّيّا يجد فيها المشاهد شيئا من ذاته وروحه.
في هذا العمل حافظت لغة ابراهيم بن عمر على تألّقها وألقها ، لكنّها ـ وهي تزيد نضجا معه ـ التحفت بسخريّة لذيذة بلغت تخوم الفرح بل وصلت إلى إضحاك شهيّ لم يثر استغرابي على أساس معرفتي الشخصيّة بما تنطوي عليه روحه من خفّة و"كوميديا " هي فعلا خاصّة به...وكلّ من يلازمه يعرف عنه ذلك.
هذه السّخرية التي أضحكت طويلا الجمهور الحاضر مساء السّبت كانت دافئة ولم تصل حدّ التّضاحك والمجانيّة.لقد قدّم لنا ابراهيم بن عمر شخوص المعرّي وابن القارح وأبي نواس والخنساء وبشّار وغيرهم في وجوه كوميديّة ذات دلالات عميقة على تنزيل المتعالي وتبسيط المركّب، هناك أفضت الذّات بتعابيرها ومفاهيمها الخاصّة في لغة ضاحكة لكنّها مكثّفة لم تبحث عن الإضحاك بل كانت هي نفسها تضحك ممّا ترى وممّا رأت.
حافظ بن خليفة : امتلاء الرّكح
يقول المخرج في المطويّة التي قدّمتها الفرقة لعملها أنّه اعتمد تقنية "الكوميديا دي لارتي" الإيطاليّة...لقد اعتمد فعلا نصّا وافرا مكّنه من توظيف هذه التّقنية بصورة ناجحة ، أثارت إعجاب المتفرّجين.
وشاهدت ركحا مؤثّثا فعلا دون فراغات في الصّورة التي ظهرت مكتملة ملأت المكان ،تحت إضاءة يندر أنّني شاهدت أكثر منها إثارة ومتعة ،إضاءة "بسيطة "لكنّها عميقة لا تسحب إليها الشّخوص بل تنسحب إليهم فتضيء من خلال حركتهم على الرّكح.
لقد نجح حافظ بن خليفة في أن يكسو عمله هدوءه الذّاتيّ المعروف ،وأن يبصمه بعلاماته هو فنّيّا ،وكان ذلك في ما أعتقد تحدّيا ربّما طرحه على نفسه حين اختار العمل مع فرقة دوز.بصمة بدت بارزة في حسن تأثيث ركحه وإدارة ممثّليه الذين تمكّن من تفجير طاقات لم أعهدها في البعض منهم.

عبد النّاصر عبد الدّائم : الجديد
عرفته منذ بدايته مع الفرقة...كان منصور بن فرج ـ والذي أحسب أنّه من أكبر الممثّلين التّونسيّين ـ "يسحق" بشخصيّته المميّزة كلّ من يقف أمامه أو يرافقه في التّمثيل ، ويغطّـي دون نيّة مبيّتة على كلّ الوجوه رغم قدرة البعض منها ومنهم عبد النّاصر عبد الدّائم... وكان يصعب مجاراة أدائه.كان ذلك رأيي ولازال...

في هذا العمل ألقيت المهمّة على عبد الدّايم ، وأظنّ أنّها كانت شديدة عليه في البداية ،وكانت شديدة عليّ شخصيّا حين علمت بها...فلم يكن أحد من أحبّاء الفرقة ومتابعيها ليحتمل فشل أيّ كان في عمل واحد حتّى ،لأنّ الفرقة حسّاسة جدّا في هذه المسألة وقد لاتحتمل أخطاءً.
لقد أبدع عبد النّاصر ،ونجح بشكل مثير في أن يكون هو نفسه ،وربحت المجموعة ممثّلا أعطاها طعما جديدا حين وثقت به وتكشّف هو عن طاقة كوميديّة مميّزة حقّا لا بدّ أنّه سعد بها هو قبلنا...

جلال عبيد : شكرا...شكرا






14‏/11‏/2008

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا ـ ج 3

برزت الدّولة الوطنيّة في تونس إثر الاستقلال حاملة لمشروع تحديثيّ واضح كان لا بدّ لإنجاحه من لملمة شتات الأطراف المهمّشة...وسوف يتمّ ذلك عبر تعميم نموذج موحّد ارتكز على توحيد التّعليم ، وإدخال المؤسّسة إلى قلب العالم البدويّ الذي راح يتهاوى تحت وطأة المؤسّسة ليكتسب بذلك روحًا جديدة نابضة بعصرها ، لكنّه أخذ يفقد تدريجيًّا سحره وغموضه وتراثه الخاصّ .

وكان للإذاعة ـ كما بيّنّا في الحديث عن ليبيا ـ دور كبير في نشر النّمط الحضريّ للغناء ، والذي كان يراكم تجربته بفضل جيل نما بين أزقّة "حواري اليهود" و"المالطيّة" ، هؤلاء الذين تحمّلوا "الإثم الموسيقيّ " وحملوه عن "المسلمين".

ودفعت النّخبة الحاكمة ـ سياسيّا وفكريّا ـ والتي كانت حضريّة في جملتها بهذا النّمط إلى الصّدارة ،وظلّت ترنو باستهزاء إلى غيره من الفنّ الشّعبيّ الذي حاول جاهدا التّشبّث ببقائه...بل وصل الأمر حدّ الحصار الإعلاميّ والمنع من البثّ إذاعيًّا وتلفزيونيًّا على أساس ضحالته وهزاله الفنّيّ.

وهكذا تمّ الاستيلاء على تمايزات الموروث الشّعبيّ في الجهات ،وتوحيده ضمن مؤسّسة عامّة هي "الفرقة القوميّة للفنون الشّعبيّة" التي أضحت فرعا تحت إدارة الفرقة الوطنيّة للموسيقى ،وأخذت تقدّم عروضا نمطيّة ضمن مشهد ساذج لم يتغيّر على مدى كلّ العقود.

وعندما حدث التّغيير السّياسيّ سنة 1987 انطلق المكبوت المغيّب ،وعادت الرّوح إلى التّراث وبدأ الاشتغال عليه لكنّ حبل الزّمن كان قد انقطع به ،ولا تراكم يبني عليه خصوصيّاته. ولذا ظهر ـ لأوّل مرّة ـ "فنّ شعبيّ" واحد من أحراج الجنوب ورماله إلى تخوم المياه الدّافئة شمالاً...فنّ يوظّف نفس الآلات الموسيقيّة ونفس الإيقاعات والموازين بل نفس المواضيع والهواجس الشّعريّة
(في الجزء القادم : ظاهرة النّوبة ـ تجربة بلقاسم بوقنّة...)

12‏/11‏/2008

دعـــوة للحضــور

تقــدّم فــرقـة بلـديّة دوز للمسـرح إنتــاجهـا الجــديــد :
حــــس القــــطا
علــى ركــح دار الثّقــافـة ابـن رشيــق ـ تــونــس وذلــك يــومــي السّبـت والأحــد 15 و 16 نــوفمبــر 2008
كمــا يلــي :
السّـاعـة السّـابعـة مســاءً (يـوم السّبـت)
السّـاعـة الخـامسـة مسـاءً (يوم الأحـد)
الـــرّجـاء التّفضّــل بالحضــور...مـع الشّكــر

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا ـ ج2

ظلّت القبائل في ليبيا محتفظة بـ"أمن ثقافيّ" لم ينل منه المركز السّياسيّ والاقتصاديّ المتخم بعائدات النّفط...وهذه "العزلة الثّقافيّة " سمحت ببقاء المادّة الفنّيّة الغنائيّة خاما ضاربا في عمق التّاريخ البدويّ لهذه القبائل بعيدًا عن حركة المركز ومغامراته العقائديّة واهتزازاته السّياسيّة خاصّة على أطراف الدّولة في الجنوب الملامس للزّنج حيث حمل الغناء الشّعبيّ نفحة إفريقيّة ، أو في الشّرق وعلى ساحله السّاحر حيث برزت أنماط موسيقيّة أخرى مميّزة وأصيلة كالمرسكاوي أو المرزقاوي.
أمّا في المركز فقد كانت الموسيقى الطرابلسيّة التي استفادت من إحداث الإذاعة والتّسجيلات وتطوّر أجهزة الصّوت لتنحو نحو التّجديد على مستوييْ اللّحن والشّعر الذي أضحى أقلّ توجّها وحرارة من شعر الأطراف البدويّ المثقل (والثّقيل) بالشّجن وامتدادات المكان الفسيح والحرمان من السّلطة ومتعها
.وأقدّم هنا مثالا لنمط من الغناء(العلم) قال لي بعض الأصدقاء اللّيبيّين أنّه فريد من نوعه ولا يوجد له مثال في العالم العربيّ كلّه ، ولكن عندما استمعت إليه وجدته قريبا جدّا من نمط من الغناء سمعته من أمّي وبعض قريباتي في دوز ، ولعلّ من يستمع إليه سيعرف أنّ ما قلته صحيح.

الأغنية الشّعبيّة ـ دراسة مقارنة ـ ليبيا وتونس نموذجا

تقديـم : كلّ دراسة ـ مهما ادّعت من موضوعيّة وحياد ـ هي في الواقع ذاتيّة . وهي ذاتيّة بقدر ما ينبثق فيها من اجتماعيّ وما يقودها من بيئة محيطة تسوسها وتوّجهها...فالذّات ليست مطلقا متعاليا فكيف إذا كانت الدّراسة مقارنة ؟ وكيف إذا كانت عن أجمل ما أضافته البشريّة إلى حقلها الجماليّ ؟
الأغنية الشعبيّة مرادفا للهامش الثّقافيّ : لم تستطع البنية الثّقافيّة الهشّة أصلا على الصّمود أمام المحاولة التّونسيّة الأولى لتوحيد السّوق و"دولنة" الثّقافة بما فيها ـ وخاصّة ـ الشّعبيّة ، فلقد تمّ توحيد النّمط الغنائيّ ـ مرورا بتوحيد تعليميّ غريب ـ ممّا أسفر عن مولود "شعبيّ" مسخ جسّدته "كونترا" ثقافيّة في حين مكّنت الثّروة النّفطيّة الوافرة حكّام ليبيا الحالمين بالثّورة العربيّة من مشاغل التّحديث والاهتمام بالآخر ،وفي ظلّ علاقات حكم تداخل فيها القبليّ والأسريّ استطاعت الجهات في ليبيا المحافظة على أصالة تراثيّة جيّاشة .
في حين قولبت الأغنية الشّعبيّة ـ حين جرى البحث عن تجديدها وإبرازها ـ في تونس ضمن رؤية "ساذجة وماكرة" ـ في إطار ذاتيّ محض.لجأ إلى السّائد والسّهل ممّا ساهم في بروز "الإيقاع" و"النّفخ" كصورة قابلة للتّسويق السّياحيّ فيما انسابت الأغنية الشّعبيّة اللّيبيّة مراكمة تراثها الفذّ غير عابئة بالآخر الذي بحثت عنه مثيلتها التّونسيّة.
ولذا تمكّنت من الاحتفاظ بسماتها في حين فقدت الأولى إمكانيّة تجاوز نفسها بعد أن نسجت قوالب انتهت في الأخير إلى موتها زمنيّا وإن كانت قد استمرّت حضوريّا ولكن دون أن تتطوّر.
وكمثال أقدّم هذه الأغنية التي تنتمي لنمط من الغناء في حضر ليبا يسمّى 'المرسكاوي" وهو عبارة عن وصلة مطوّلة تبدأ بموّال ثمّ اللاّزمة وينتهي بما يسمّى "التبرويلة " وهي الخاتمة بإيقاع سريع.
الأغنية الأولى : قالولها راجل عدو ويجيكم....قالتلهم بالسّيف غصب عليكم
والأغنية الثّانية : ما بي مرض غير فضية جيوبي....وكثرة عيوبي...نعتب على الأصحاب ما يندروا بي
والأغنية الثّالثة : أنا والزّمان مقالبه...على اللّه نصبح غالبه.

05‏/11‏/2008

العرب والخمرة (3)

ويواصل الرّقيق القيروانيّ طرح الإشكال " بدم بارد " معتمدا ما اعتمده سابقوه ممّن ظنّوا أنّهم استوفوا تقعيد الفقه وأغلقوا باب كلّ اجتهاد ووضعوا القفل في جيوب عباءاتهم أي الرّواية إظهارا وتورية .
يقول في تفريق العرب ـ لغة ـ بين الخمر والنّبيذ :
قال القلمس :
أروي بها نفسي فتحيا بشربها ولا أشتهي شرب النّبيذ من التّمر
عنى بشربها الخمرة.
كما يستشهد بسوادة بن الصّامت وأبي الأسود الدّؤليّ ليصرّح :
فهؤلاء فصحاء العرب ، فرّقوا بين عصير العنب وغيره فسمّوه خمرا دون سائر الأشربة ، وقد أجمعوا أنّ قليل الخمر وكثيره حرام ، وأكثرهم يشرب ما دون السّكر من سائر الأشربة لأنّها لا تعرف عندهم بخمر ، ولو كانت خمرا لكان القليل منها حراما ، وقد رووا عن ابن عبّاس عن النّبي (ص) أنّه قال : حُرّمت الخمر بعينها والسّكر من كلّ شراب... فإن قال قائل : قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول اللّه (ص) منهم عمر (ض) أنّهم قالوا : إنّ الخمر من الزّبيب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير والذرة وأنّ الخمر ما خامر العقل ، وما روي عن أنس أنّه كان يسقي عمومته من الأنصار حتّى دخل عليهم داخل فقال : إن الخمر قد حرّمت فأمروه بإراقتها ولم يكن خمرهم يومئذ إلاّ الفضيح. وما شابه ذلك من الأخبار قيل له إنّ هذه أخبار آحاد لا يثبت بها أن يطبقوا على تحريم سائر الأشربة الشّديدة لوجود اسم الخمر لها عندهم ، فلمّا لم يجمع المسلمون ولا اشتهرت عن العرب وجب بطلان ما ادّعاه من سمّى هذه الأشربة خمرا إذ كانت الأسماء لا تؤخذ بالقياس.
وقد صحّ بالأخبار المتواترة أنّ نبيذ التّمر كان فاشيا بالمدينة يشربه أهلها غنيّهم وفقيرهم ويجري عندهم مجرى أقواتهم ، فلولا أنّه أراد إطلاق الأشربة لهم لنصّ عليه كما نصّ على الخمر لأنّ النّصّ عليه أولى لشهرته وكثرة متناوليه ولقلّة الخمر ، فإنّها لا تكاد توجد عندهم.
ثمّ يردّ القيروانيّ على من أخذ الأحاديث على ظواهرها ، كحديث (ص) كلّ مسكر حرام ، فيقول :
اللّبن الرّائب يسكر كثيره...وليس أحد من المسلمين يسمّي اللّبن خمرا.والبنج يسكر والنّوم يسكر، وإذا جاز أن تخرج هذه الأشياء من جملة قوله : كلّ مسكر حرام ، جاز أن تخرج سائر الأشربة الشّديدة التي من عصير العنب من جملة الخمر.
...يتبع...

27‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (2)

يستشهد القيروانيّ برؤوس اللإسلام وقادته الأوائل لتعميق المأزق الفقهيّ وليحيل مسألة التّحريم الجماعيّ للخمر دون التّمييز بين أنواعها إلى نمط من الخطإ المتأخّر الذي صاحب "تقعيد" الفقه تاريخيّا على يد علماء الكلام.
يقول : وكان عمر بن الخطّاب يشرب الصّلب (أي النّبيذ الشّديد) ، ويقول : يقطع هذا اللّحم ما في بطوننا (يقصد بذلك لحم الإبل) .
وقال الشّعبيّ : شرب أعرابيّ من إداوة خمر،فحدّه عمر للسّكر لا للشّرب.ودخل عمر على قوم يشربون ،فقال : نهيتكم عن معاقرة الشّراب فعاقرتم ،وهمّ بتأديبهم ،فقالوا : مهلا يا أمير المؤمنين ،نهاك اللّه عن التّجسّس فتجسّست ،ونهاك عن الدّخول بغير إذن فدخلتَ ،فانصرف وهو يقول : كلّ النّاس أفقه منك يا عمر !
يقول القيروانيّ : وإنّما نهاهم عن المعاقرة وإدمان الشّراب حتّى يسكروا ، ولم ينههم عن الشّرب.
وكان سفيان الثّوريّ يشرب النّبيذ الصّلب الذي تحمرّ منه وجنتاه ، واحتجّ أيضا كما احتجّ غيره بحديث عليّ بن أبي طالب : إنّ القوم يجلسون على الشّراب وهو حلال فلا يزالون حتّى يكون عليهم حراما.
ورُوي عن عثمان بن أبي العاص أنّ عمر (رض) لمّا فطر قال : أعندكم من شرابكم شيء ؟ قالوا : نعم ،فأتوه به ،فشمّه فسطع في خياشيمه فكسره بالماء وشربه.
وروي عن عمرو بن ميمون أنّ عمر قال : إنّا لنشرب من النّبيذ الشّديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا ،قال : وشربتُ ممّا عُمل له فكان نبيذا شديدا.
وكتب يعلى بن أميّة إلى عمر (رض) : إنّا نؤتى بقوم شربوا الشّراب ،فكتب إليه : من أُتيت به فاستقرئه أمّ الكتاب وألق رداءه وأردية أخرى ،فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحدّ.
ورُوي عن عبد الرّحمان بن أبي ليلى عن أبيه قال : تعشّيتُ عند عليّ (رض) فسقاني طِلاء فلمّا قمت لأخرج كان الطّريق يمنة فأخذت يسرة ، فدعاني عليّ فقال : لعلّ شرابنا أخذ برأسك . يا جارية خذي معه قبسا.
وروي عن الحسن بن عليّ أنّ رجلا سأله عن النّبيذ ، قال : اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه !
...يتبع...

26‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (1)

مـدخل : كتابان من أهمّ ما ألّف العرب شدّاني وأعتبرهما مدخليْن رئيسيْن لفحم تاريخانيّة العقل العربيّ ، فُتنت بهما حدّ القراءات المسترسلة بما أنّهما مكّناني من استقراء تاريخ الدّولة وتاريخ المجتمع عبر تشابكات الزّمن .هما " الخراج" لأبي يوسف و"قطب السّرور في أوصاف الخمور" للرّقيق القيروانيّ.
وفي اتظار تناول كتاب "الخراج" ، أتعرّض في هذه المرحلة إلى الكتاب الثّاني الذي تعرّض لإشكاليّة من أهمّ إشكاليّات الفقه الإسلاميّ ألا وهي الموقف من الخمر.
هل ثمّة اتّفاق على المفهوم ؟ وعلى التّحريم ؟ وعلى ما ألفناه من القياس الأرسطيّ المستخدَم للبتّ في المسألة ؟
الإشكاليّة والمأزق الفقهيّ :
يقول الرّقيق القيروانيّ : أمّا تحريم الخمر فمجمَع عليه ، لا اختلاف فيه بين اثنيْن من الإئمّة والعلماء ، وتحريم النّبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب رسول اللّه (ص) والتّابعين بإحسان حتّى لقد اضطرّ محمّد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلمانيّ عن النّبيذ ، فقال له عبيدة : أختُلف علينا في النّبيذ.
وكان عبيدة ممّن أدرك أبا بكر وعمر ، فما ظنّك بشيء اختلف فيه النّاس وأصحاب النّبيء متوافرون ؟ فمن بين مطلقٍ وكارهٍ ، وكلّ يقيم الحجّة لمذهبه والشّاهد على قوله.
فما هو النّبيذ أوّلا ؟
يقول القيروانيّ : هو كلّ ما نبذ في الدّباء والمزفّت حتّى اشتدّ حتّى يسكر كثيره ، وما لم يشتدّ فليس يُسمّى نبيذا.وهو ما لم يُغل من عصير العنب فليس يُسمّى خمرا.
قال حفص بن غيات : كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث فسترتُه ، فقال : لمَ سترته ؟ فكرهتُ أن أقول لئلاّ يراه من يدخل ، فقلتُ : كرهت أن يقع فيه الذّباب ، فقال لي : هيهات ، هو أمنع من ذلك جانبا !
ثمّ يستعرض القيروانيّ اختلافات الفقهاء في التّحريم والإباحة إلى أن يقول :
وقد شرب رسول اللّه من سقاية العبّاس ، فوجده (يعني النّبيذ) شديدا فقطّب بين عينيه ، ودعا بذنوب من ماء زمزم فصبّ عليه ، وقال : إذا كان هكذا فاكسروه بالماء.ولو كان حراما لأراقه وما صبّ عليه من ماء ثمّ شربه.
وكان النّبيء قد نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثمّ وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرّة ألوانهم ، سيّئة حالهم ، فسألهم عن قصّتهم ، فأعلموه أنّهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه ، فأذن لهم في شربه.
ثمّ ، وهذا أكبر ما أُشكل عليهم ، أنّ ابن مسعود ( وما أدراك ما بن مسعود) قال : شهدنا التّحريم وشهدتم ، وشهدنا التّحليل وغبتم. وهو الذي كان يشرب الصّلب من النّبيذ حتّى كثرت الرّوايات به عنه ، وشُهرت وأُذيعت واتّبعه عليها من الكوفيّين ، وجعلوه أعظم حججهم . قال في ذلك شاعرهم :
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ....في جوف خابية ماء العناقيد
إنّي لأكره تشديد الرّواة لنـا ...فيها ويعجبني قول ابن مسعود
...يتبع

18‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 9
مظفّر شاعرا عامّيّا
" عـوّدتني
انتظر...وارسمْ على الأيّام موعد
قتلي من يعتق جرح..جرحين
يتلاقه وجعها...
عوّدتني
أترك إبّيتك بطاقة عيد وموعد
وأكتب ببابك إذا مسافر...كلمتين
ولقيتك امسافر من غير رجعة..."
مظفّر النّوّاب ليس شاعرا شعبيّا...بل هو الشّاعر الذي أوجد الشّعر العاميّ الحديث في العراق ، وساهم في تطويره وإغنائه وتكوين مدرسته الخاصّة به التي لقيت شعبيّة لا مثيل لها ، بل أنّ مظفّرا هو بالأساس شاعر بالعامّيّة اشتهر بقصائده الفصحى .
لقد برزت عبقريّة النّوّاب في كونه ارتقى بالقصيدة العامّيّة إلى مستوى القصيدة الفصيحة شكلا...ولغة...وحين استغرب البعض من اللّغة المكتوبة في نصوصه العامّيّة اعتمادا على الشّكلانيّة زعما بأنّ الشّعب لا يتكلّم بمثل هذه اللّغة ، قال مظفّر " هذه لغتي أنا...وليست لغة الشّعب" ، وذلك صحيح تماما فالشّاعر يصنع اللّغة لا العكس...
تعود علاقة مظفّر بالشّعر العامّيّ كما يقول هو إلى أسباب أربعة :
ـ بيئته الطّفوليّة التي عاشها والقريبة من أجواء بيته المشحونة بهدهدات المهد والأهازيج والسبايات .
ـ قدرة العامّيّة على ملامسة النّاس مثلما كان الأمر مع العامّيّة المصريّة.
ـ تمتّع العامّيّة بغنى جماليّ موروث وغير مدروس جيّدا.
ـ عامل شخصيّ يعود إلى زيارته سنة 1955 إلى أهوار العمارة (إحدى مدن جنوب العراق الرّئيسيّة) حيث استمع إلى بعض المغنّين " غرير " و"جويسم" و" سيّد فالح" الذين أذهلوه بغنائهم...لحظتها كما يقول "تكشّف له عالم مهمل لكنّه مليء بالجمال..."
لقد شبّه مظفّر الكتابة بالعاميّة بالنّحت على الطّين "كونها مطواعة وبعيدة عن موضوع النّحو والإرث البلاغيّ ثمّ أنّ اشتقاقاتها تمنح الشّاعر سعة وحريّة في اشتقاق أيّة مفردة ربّما غير موجودة أساسا أمّا في الفصحي فذلك غير ممكن لأنّ الاشتقاقات لها طبيعتها النّحويّة".
ومظفّر لا يعتبر العامّيّة مضادّا للثّقافة العربيّة تشتّت الإنجاز العربيّ الإبداعيّ ، وهو يرى أنّ لها عالمها ومزاياها كما للشّعر الفصيح مزاياه...
" يا حِـزن ! يا ريت أعرفك
كنت أسوّيلك حديقة
وممشى من كاشي الفرح قدّام بيتك
يا حزن يا ريت أعرفك وين تسكن
كنت أقلّك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافه
وحدي كنت أجيتك !
يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك "
...يتبع...

15‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 8
التّمازج بين الشّعر والحياة : الخمرة
ـ المستوى الثّالث : الخمرة كدافع للإبحار في اللّغة وتثوير الصّورة الشّعريّة.
تـدفع الخمرة في جانب كبير من حضورها مظفّر النّوّاب لـولوج أعماق قصيّة في اللّغة الشّعريّة ، وإلى استحضار صور غاية في الجمال ، وشخوص وذكريات...
يقـول في قصيدته "بحّار البحّارين" :
" يـا ابـن ذريـحٍ !
هـذي الحانة باردةٌ أوقـدْ صـوتَكَ
يـرحلْ بعـضُ الإثمِ من الحانةِ
يـا ابـن ذريحٍ !
هـاتِ لنـا نغمًـا
بعضَ المشتهيـاتِ من الصّـوتِ السّـابعِ !
قـلْ نغمًـا عصفـورًا
قـل نغمًـا سـرّةَ أنثـى
قـل نغمًـا طـرقةَ بـابِ مجهولٍ !"
وفي قصيد " ترنيمات استيقظت ذات صباح" يوغل الشّاعر بعيدا في لغته ، ويرتفع نسقها عاليا راسمة مشاهد مدهشة لم تعهدها اللّغة العربيّة كثيرا ، فيقول مخاطبا "العراق" المفقود وأطياف ماضيه البعيد :
" تقـرّبـتَ !
لا...لـم تقتـربْ
كُتِـب البعـدُ في قـافِ قـربكَ منّـي
وللقـافِ نَـرْدان أرميهما والمقاديـرُ تـرمي
ويخـرج عن دِينه النّـردُ ممّا لعبْنا وممّا خسرْنا
ولـم أنسحـبْ "
إنّ اللّغة لتـرقّ وتشفّ إلى حدّ يشعر القارئ بانسيابها وترقرقها ، فيسمع ما فيها من أصوات ، ويشمّ ما فيها من روائح :
" كم شرب الكوزُ خمرًا وجفّ
عامِلْه يا سيّدي أنّه جفّ بالخمرِ و...
آه من هذه الـواو تبـدي الذي خلفها
أطـردتْني وغلّقت البابَ خلفي
فلم ينغلـقْ غيرَ نصف انغلاقْ "
وحين يفضح الشّاعر واقعه واصفا إيّاه بالخراب والوحدة فإنّه يفضحه بشجاعة نادرة دون أن يعلّقه على مشجب الغير ، بل يعلن أنّه لو عاد مرّة أخرى للحياة فلن يختار سواه :
" أتلفّـتُ ألقـى حجـاريَ حولي
شظـايايَ ، أوراقَ شعري ، بقايايَ
حقّـا تهـدّمتُ !،،،
لكنّني في المكان الذي اخترتُ ،،،
(في الجزء القادم نبدأ تناول مظفّر شاعرًا بالعاميّة...)

11‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 7

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الخمـرة
أمّا المستوى الثّاني في علاقة مظفّر النّوّاب بالخمـرة فهو مستوى اللّذّة والفرح الذي يبلغ أحيانا حدّ الطّفوليّ ،وهي لحظات لا شكّ أنّ الشّاعر يقتنصها من بين ألم الغربة والاغتراب لتكون القصيدة فيها رقيقة ، طافحة بالمتعة وقريبة من نصوص الحسن بن هانئ ، وديك الجنّ وغيرهما.
ففي نصّ يحـوي أجمل الاستهلالات الخمريّة ، وهو قصيد " القبطان"، يبتـدئ مظفّر نصّه شفّاف العاطفة ،عاشقا مدنفا محبّا للحياة :
" اِسقنيهـا
وافضحـي فـيّ المَـلامَـا ،،،
بلغتْ نشـوتَهـا الخمـرةُ في خـدّيْـكِ
نثْـرَ الـوردِ في كأسِ النّـدامَـى ،،،
ورَوتْ مبسـمَ وردٍ نـزع التّاجَ بأرواحِ السّكارى
بمعانٍ نزعتْ ألفـاظَها
وقف العشـقُ على كفّيْه مجنونا من النّشوةِ
والعـودُ ارتخـتْ أوتـارُهُ
واللّحـنُ قـامَـا ،،،"
في هذا النّصّ نلتقي الشّاعر عليما بـ"أدب الشّرب" حريصـا على احترام مقام الخمرة :
" اِسقنيهـا
وفـدى خُفّيْـكِ من يشـرب خمـرًا
وهو لا يعرف للخمـرِ مقـامَـا ،،،
أيّهـا الشّـاربُ !
إن لم تـك شفّـافًا رقيقًا كـزجاجِ الكأسِ
لا تقربْ طقوسَ السّكرِ والكينونة الكبرى
فسـوء الخمـرِ يـؤذي بينما يقتل سوءُ الخلق
فاشربْهـا كريمًـا دمثًـا
تطمع أنّ النّارَ تستثنـي الكـرامَـا ،،،"
ويعطي للخمر تعريفا أوسع من كونها أداة للّذّة والفرح :
" إنّنـي صـبٌّ أسمّـي كـلّ ما يسلبُ لبّـي خمـرةً
إن كـان حُسنًـا
أو قـراحَ المـاء من كـفّ كريـمٍ
أو حـزامًـا نـاسِفًـا
أو بيـتَ شعـرٍ أو مـدامَـا ،،،"
...يتبع...

09‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا



الجـزء 6

التّمـازج بين الشّعر والحياة

الخمـرة

إنّ علاقة مظفّر بالخمرة لتحيل حقّا على أساطين الخمريّين العرب من كبار شعراء العصر الذّهبيّ للحضارة العربيّة ... أولئك الذين اتّخذوا من التّغنّي بالخمرة انتصارا للحياة خارج "السّياج الدّغمائيّ المغلق" بتعبير أركون ، وانتسابا للمهمّشين من الموالي والفقراء الذين جرحوا دولة الخراج وجرحتهم ، والذين قفزوا فوق هذا السّياج بفعل ثقافيّة عالية تمكّنوا من أدواتها نتيجة التّزاوج بين مدارس متنوّعة أثرت بحقّ مجتمعا قبل في الأخير حقيقة وجودها.
وتمتدّ علاقة مظفّر النّوّاب بالخمرة على ثلاث مستويات :
1 ـ الخمرة كملجإ مؤلم للاغتراب :
يقول في قصيدة "البقاع" :
" تستـدين مـن الصّحـبِ جـرعةَ خمـرٍ
وتـذكرةً ثُقِبـتْ مـرّتيْن ورقعـةَ ودّ
كأنّـكَ صنـدوقُ جمـعِ الإعانـاتِ للحـزن !"
ويقول عن نفسه :
" ثَمِـلٌ
ليس عيـبٌ على ثمـلٍ بالسّـلاحِ
فـإنّ العـراقَ قـديمٌ بهـذا الغـرام !"

إنّ الخمر في علاقتها بالغربة ليست هروبا تماما بل فرصة للذّكريات أيضا وشوق للعراق :
" يـا ربُّ لـم يبـق في العمـرِ شـيءٌ
سوى ساعتيْـن صبـاحًا على دجلـةٍ والعـراقُ معـافًى "
وتغنّ بالفدائيّ:
" سيّـدي كامـدَ اللّـوزِ
علّـمْ جيـوشًـا تقـاتلنا في الشّـوارع
أنْ تتخلّـقَ خلـقَ الـرّجالِ وليـس الضّبـاعْ،،،
سيّـدي كامـدَ اللّـوز
خُـذْ من غنائي الذي يمسح البندقيّة
واتـركْ حـروبَ الـدّمـوعِ
فهـنّ العـراقُ ينـوح بنـا في اللّقـاءِ
ينـوح بنا في الـوداعْ،،،"
وفي قصيدة "بحّار البحّارين" يقول :
" يـأخـذكَ الجـوّ
وترفع إبـريق الخمـرةِ في الهـمّ شـراعًـا
!"
...يتبع...

07‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 5

التّمـازج بين الشّعر والحياة : الغـربة

لا تكاد تخلو حياة شاعر عظيم من غربة حادّة ، غربة في المكان تحيله إلى رحّالة مبعد ، وغربة في الرّوح تفضي به إلى وحدة جارحة.
وإن كان المتنبّي مثالا لما نقول فإنّ مظفّر النّوّاب سليل المنافي والغربة بامتياز...لقد عاش متنقّلا بين عواصم العالم وقارّاته : من بيروت إلى دمشق إلى اليونان وفرنسا والهند وبانكوك والجزائر وليبيا وفنزويلاّ والبرازيل والتشيلي والسّودان...والقائمة تطول.
هذا التّرحال المستمرّ شحن قصائده بحزن عميق أخّاذ وغربة كتب من حدّتها أجمل قصائده ،ففي قصيد "قراءة في دفتر المطر" يصرخ مظفّرفي وجه الوطن :
" نحن الإثنان بلا وطـنٍ يا وطني !"
كما يصرخ في وجه الأهل والنّاس :
" حقّرتم حزني
المبغى في ليل مدينتكم أكثر تسلية من حزني
القبر بليل مدينتكم أكثر أفراحًا منّي
وأنا من أقصى الحزن أتيت
أبشّـر بالإنسان
"
ثـمّ يتوجّه نحو المطلق بلغة غنائيّة عاتبة :
" لا تتـركْني !
فالشّـكّ سيقتل فيّ الإنسان !
لا تتـركني !
أفلسـتَ المنقـذَ ؟
أفلسـتَ رفيقَ المتّسخين ؟ "
وفي قصيدته "جـزر الملـح" يصبح الشّاعر بحّارا قديما ، ويستعمل ضمير المخاطب ليرسم نفسه في لحظات الغربة ضعيفا متهالكا :
" أَرسِ المركبَ يا ولـدَ البحـرِ !
كبـرتَ علـى الـرّحلاتِ
وصارت عينـاكَ تنـزّان دمـوعًـا
حيث تحـدّق في الـزّمن الآتـي
وتـرعش كفّـاكَ الحاضنتان لعـود الكبـريتِ
وأنتَ تضـيء سـراجَ القمْـرةِ "

ويحكي ثمـلا بالكون وحدته الكبرى :
" أنـتَ قفـزتَ وحيـدًا في الجبل العلـويّ
ومكتشفًـا وحـدتَكَ القصـوى "

وحين يلـوم الـذّات يخاطبها مباشرة :
" فـاسدةٌ هـذي البيضـةُ...
فاسـدةٌ يا ولـدِي لا يخرج منها عصفـورٌ !
فلمـاذا تحمل عـشَّ البيـضِ الفاسـدِ
في دَوْحـةِ كفّيْـك حـريصًـا ؟
أَلْـقِ العـشَّ إلـى البحـر
تحـرّرْ أنّـكَ ملتصـقٌ بـالبـرِّ !"
لقد بلغ الشّاعر هنا أقصى الـرّؤيا وأقصى الحـدوس :
" أغمضْـتُ
وفي رأسي نهـدٌ
والـرّأسُ لقد فـرّ مع الطّيـرِ صبـاحًـا "

...يتبع...

06‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الجـزء 4

إنّ مظفّر النّوّاب لا يكتب باللّغة بل يرسم بها حقّا حتّى لكأنّ قارئه يتأمّل فضاءات لوحة خالدة...انظروا معي هنا كيف تضوع الرّائحة ،ويتصاعد الدّخان وتتواثب الوطاويط :
" أطلـق فـلاّحٌ في أقصـى الحِنطـةِ نـارًا
فـانقضّـتْ كـلُّ وطـاويطِ الشّـاهِ هنـاك "
إنّ مظفّـر النّـوّاب لا يهـوّم لغته ،ولا يرهقها بما يفسد مزاجها من غموض قسريّ وتكثيف متهافت ،وهو واضح في موقفه هذا وكثير التّصريح به.فعن سؤال طرحه عليه اسماعيل زاير عن رأيه في شعر الحداثة أجاب مظفّر : " هناك من يتحدّث عن تفجير اللّغة...لا يوجد مثل هذا المصطلح...هذا ضحك على الذّقون...هناك تطوير للّغة وتعامل معها بمحبّة وودّ ولتكون قريبة وصديقة ".
فحين يصل القارئ إلى هذا المشهد من القصيدة ( وتريّات ليليّة ـ الحركة الثّانية ) فإنّه يشعر بالغثيان من جرّاء صور التّعذيب الذي مارسه "السّافاك" الإيرانيّ على جسد الشّاعر وروحه :
" وقفتُ أمامَ الجلاّدِ
بصقـتُ عليه من الأنفِ إلى القدميْن
فدُقّتْ رأسي ثانيةً بالأرض
وجـيء بكرسيٍّ حُفِـرتْ هـوّةُ رعـبٍ فيه
ومُـزّقت الأثـوابُ عليّ
ابتسم الجلاّدُ كأنّ عناكبَ قد هربتْ
أمسكني من كتفيّ وقال :
على هذا الكرسيّ خصيْنا بضعَ رفاقٍ فـاعترفِ الآن !"
وفي تلك اللّحظات المؤلمة تتراءى الشّخوص والأطياف من وعي الشّاعر ومن لاوعيه ، يستحضرها وتحضر لتشدّ من عزمه حتّى لا ينهـار :
" كان أبـو ذرّ خلف زجاج الشّبّاك المقفل
يزرع فيّ شجاعته...فرفضتُ
وكانت أمّي واقفةً قـدّامَ الشّعبِ بصمتٍ...فرفضتُ "
لقد طُلب من الشّاعر أن يتعهّد بأن لا يتسلّل ثانية للأهواز ، فهم كانوا يجهلون هويّته...فأجاب :
" للشّـاعرِ الـفُ جـوازٍ في الشّعـرِ
وألفُ جـوازٍ أن يتسلّـلَ للأهـواز ،،،
يـا قلبيَ ! عشـقُ الأرضِ جـواز "

...يتبع...


04‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 3
التّمـازج بين الشّعر والحياة


في الحركة الثّانية من وتريّات ليليّة تبلغ القصيدة أوج انسيابيّتها وقبضها على لحظات الهروب في القفر الإيرانيّ ،وتنفتح روح الشّاعر لتسع كلّ ما حولها وما فيها ،وتتّقـد الحواسّ لتلتقط الهواجس والـرّؤى :
" مَـنْ ذلـك يـأتي بيـن النّـثّ وبين عـواء الـذّئب
وبيـن هـروبـي في النّخـل ؟
يـرافقنـي نصـفَ الـدّربِ
وبعـد النّصف يقـول يـرافقني ! "
وبلغـة متعاليـة أنيقـة الإيقـاع والكلمـات ،تحويهـا صـور سورياليّة لا تقدر عليها سوى يـد رسّام عظيم (ومظفّر رسّام وموسيقيّ عازف على العود) يصـوّر مظفّر وصـوله منطقة "عربستان" العربيّة داخل إيران :
" فـاطبق صمـتٌ وبكـى النّخـل
وكانت سفـنٌ في آخرِ شـطّ العـرب احتفلتْ بـوصولي
ودّعنـي النّـوتيُّ وكان تنـوخيًّـا تتوجّـع فيه اللّكنـة
قـال : إلى أيـن الهجـرة ؟
فـارتبك الخـزرج والأوس بقلبي ! "
وتبـدأ مطـاردة الـذّئب الإيـرانيّ للشّاعـر :
" وشمّ الـذّئبُ الشّـاهنشـاشيُّ دمـي
سـال لُعـابُ الـذّئب علـى قـدمي
ركـض البستـانُ
وكان الـرّبُّ على أصغـر بـرعم وردٍ
نـاديتُ عليـه : ستُقتـل...فـاركـض ! "
ويـدخل الشّـاعر بيتـا لبعـض الفلاّحين ليلتقـط هـذا المشهد المـدهش :
" وجـدتُ فـوانيسَ الفـلاّحين
تُعيـن على المـوتِ حصـانًـا يحتضـرُ
عينـاهُ تضيئـان بضـوء خافـت فوق أنـوف الفـلاّحين
وينشـج لـو مـات على الـرّيحِ..."
لتلتقي روح الحصان بروح الشّاعر،فهو هنا يرسم الذّات والكون.ويحكي واقع هؤلاء الفلاّحين العرب تاريخا وعزما وأحلاما :
" وصرختُ إلهِـي !
أولاء الفلاّحين كـم انتظـروا
علّمهـم ذاك حُسين الأهـوازيُّ من القرن الرّابع للهجرة
علّمهم علـمَ الشّعـبِ على ضَـوءِ الفـانـوسِ وَلا واللّـه على ضـوء الظّلمـةِ !! "
...يتبع...