27‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (2)

يستشهد القيروانيّ برؤوس اللإسلام وقادته الأوائل لتعميق المأزق الفقهيّ وليحيل مسألة التّحريم الجماعيّ للخمر دون التّمييز بين أنواعها إلى نمط من الخطإ المتأخّر الذي صاحب "تقعيد" الفقه تاريخيّا على يد علماء الكلام.
يقول : وكان عمر بن الخطّاب يشرب الصّلب (أي النّبيذ الشّديد) ، ويقول : يقطع هذا اللّحم ما في بطوننا (يقصد بذلك لحم الإبل) .
وقال الشّعبيّ : شرب أعرابيّ من إداوة خمر،فحدّه عمر للسّكر لا للشّرب.ودخل عمر على قوم يشربون ،فقال : نهيتكم عن معاقرة الشّراب فعاقرتم ،وهمّ بتأديبهم ،فقالوا : مهلا يا أمير المؤمنين ،نهاك اللّه عن التّجسّس فتجسّست ،ونهاك عن الدّخول بغير إذن فدخلتَ ،فانصرف وهو يقول : كلّ النّاس أفقه منك يا عمر !
يقول القيروانيّ : وإنّما نهاهم عن المعاقرة وإدمان الشّراب حتّى يسكروا ، ولم ينههم عن الشّرب.
وكان سفيان الثّوريّ يشرب النّبيذ الصّلب الذي تحمرّ منه وجنتاه ، واحتجّ أيضا كما احتجّ غيره بحديث عليّ بن أبي طالب : إنّ القوم يجلسون على الشّراب وهو حلال فلا يزالون حتّى يكون عليهم حراما.
ورُوي عن عثمان بن أبي العاص أنّ عمر (رض) لمّا فطر قال : أعندكم من شرابكم شيء ؟ قالوا : نعم ،فأتوه به ،فشمّه فسطع في خياشيمه فكسره بالماء وشربه.
وروي عن عمرو بن ميمون أنّ عمر قال : إنّا لنشرب من النّبيذ الشّديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا ،قال : وشربتُ ممّا عُمل له فكان نبيذا شديدا.
وكتب يعلى بن أميّة إلى عمر (رض) : إنّا نؤتى بقوم شربوا الشّراب ،فكتب إليه : من أُتيت به فاستقرئه أمّ الكتاب وألق رداءه وأردية أخرى ،فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحدّ.
ورُوي عن عبد الرّحمان بن أبي ليلى عن أبيه قال : تعشّيتُ عند عليّ (رض) فسقاني طِلاء فلمّا قمت لأخرج كان الطّريق يمنة فأخذت يسرة ، فدعاني عليّ فقال : لعلّ شرابنا أخذ برأسك . يا جارية خذي معه قبسا.
وروي عن الحسن بن عليّ أنّ رجلا سأله عن النّبيذ ، قال : اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه !
...يتبع...

26‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (1)

مـدخل : كتابان من أهمّ ما ألّف العرب شدّاني وأعتبرهما مدخليْن رئيسيْن لفحم تاريخانيّة العقل العربيّ ، فُتنت بهما حدّ القراءات المسترسلة بما أنّهما مكّناني من استقراء تاريخ الدّولة وتاريخ المجتمع عبر تشابكات الزّمن .هما " الخراج" لأبي يوسف و"قطب السّرور في أوصاف الخمور" للرّقيق القيروانيّ.
وفي اتظار تناول كتاب "الخراج" ، أتعرّض في هذه المرحلة إلى الكتاب الثّاني الذي تعرّض لإشكاليّة من أهمّ إشكاليّات الفقه الإسلاميّ ألا وهي الموقف من الخمر.
هل ثمّة اتّفاق على المفهوم ؟ وعلى التّحريم ؟ وعلى ما ألفناه من القياس الأرسطيّ المستخدَم للبتّ في المسألة ؟
الإشكاليّة والمأزق الفقهيّ :
يقول الرّقيق القيروانيّ : أمّا تحريم الخمر فمجمَع عليه ، لا اختلاف فيه بين اثنيْن من الإئمّة والعلماء ، وتحريم النّبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب رسول اللّه (ص) والتّابعين بإحسان حتّى لقد اضطرّ محمّد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلمانيّ عن النّبيذ ، فقال له عبيدة : أختُلف علينا في النّبيذ.
وكان عبيدة ممّن أدرك أبا بكر وعمر ، فما ظنّك بشيء اختلف فيه النّاس وأصحاب النّبيء متوافرون ؟ فمن بين مطلقٍ وكارهٍ ، وكلّ يقيم الحجّة لمذهبه والشّاهد على قوله.
فما هو النّبيذ أوّلا ؟
يقول القيروانيّ : هو كلّ ما نبذ في الدّباء والمزفّت حتّى اشتدّ حتّى يسكر كثيره ، وما لم يشتدّ فليس يُسمّى نبيذا.وهو ما لم يُغل من عصير العنب فليس يُسمّى خمرا.
قال حفص بن غيات : كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث فسترتُه ، فقال : لمَ سترته ؟ فكرهتُ أن أقول لئلاّ يراه من يدخل ، فقلتُ : كرهت أن يقع فيه الذّباب ، فقال لي : هيهات ، هو أمنع من ذلك جانبا !
ثمّ يستعرض القيروانيّ اختلافات الفقهاء في التّحريم والإباحة إلى أن يقول :
وقد شرب رسول اللّه من سقاية العبّاس ، فوجده (يعني النّبيذ) شديدا فقطّب بين عينيه ، ودعا بذنوب من ماء زمزم فصبّ عليه ، وقال : إذا كان هكذا فاكسروه بالماء.ولو كان حراما لأراقه وما صبّ عليه من ماء ثمّ شربه.
وكان النّبيء قد نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثمّ وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرّة ألوانهم ، سيّئة حالهم ، فسألهم عن قصّتهم ، فأعلموه أنّهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه ، فأذن لهم في شربه.
ثمّ ، وهذا أكبر ما أُشكل عليهم ، أنّ ابن مسعود ( وما أدراك ما بن مسعود) قال : شهدنا التّحريم وشهدتم ، وشهدنا التّحليل وغبتم. وهو الذي كان يشرب الصّلب من النّبيذ حتّى كثرت الرّوايات به عنه ، وشُهرت وأُذيعت واتّبعه عليها من الكوفيّين ، وجعلوه أعظم حججهم . قال في ذلك شاعرهم :
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ....في جوف خابية ماء العناقيد
إنّي لأكره تشديد الرّواة لنـا ...فيها ويعجبني قول ابن مسعود
...يتبع

18‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 9
مظفّر شاعرا عامّيّا
" عـوّدتني
انتظر...وارسمْ على الأيّام موعد
قتلي من يعتق جرح..جرحين
يتلاقه وجعها...
عوّدتني
أترك إبّيتك بطاقة عيد وموعد
وأكتب ببابك إذا مسافر...كلمتين
ولقيتك امسافر من غير رجعة..."
مظفّر النّوّاب ليس شاعرا شعبيّا...بل هو الشّاعر الذي أوجد الشّعر العاميّ الحديث في العراق ، وساهم في تطويره وإغنائه وتكوين مدرسته الخاصّة به التي لقيت شعبيّة لا مثيل لها ، بل أنّ مظفّرا هو بالأساس شاعر بالعامّيّة اشتهر بقصائده الفصحى .
لقد برزت عبقريّة النّوّاب في كونه ارتقى بالقصيدة العامّيّة إلى مستوى القصيدة الفصيحة شكلا...ولغة...وحين استغرب البعض من اللّغة المكتوبة في نصوصه العامّيّة اعتمادا على الشّكلانيّة زعما بأنّ الشّعب لا يتكلّم بمثل هذه اللّغة ، قال مظفّر " هذه لغتي أنا...وليست لغة الشّعب" ، وذلك صحيح تماما فالشّاعر يصنع اللّغة لا العكس...
تعود علاقة مظفّر بالشّعر العامّيّ كما يقول هو إلى أسباب أربعة :
ـ بيئته الطّفوليّة التي عاشها والقريبة من أجواء بيته المشحونة بهدهدات المهد والأهازيج والسبايات .
ـ قدرة العامّيّة على ملامسة النّاس مثلما كان الأمر مع العامّيّة المصريّة.
ـ تمتّع العامّيّة بغنى جماليّ موروث وغير مدروس جيّدا.
ـ عامل شخصيّ يعود إلى زيارته سنة 1955 إلى أهوار العمارة (إحدى مدن جنوب العراق الرّئيسيّة) حيث استمع إلى بعض المغنّين " غرير " و"جويسم" و" سيّد فالح" الذين أذهلوه بغنائهم...لحظتها كما يقول "تكشّف له عالم مهمل لكنّه مليء بالجمال..."
لقد شبّه مظفّر الكتابة بالعاميّة بالنّحت على الطّين "كونها مطواعة وبعيدة عن موضوع النّحو والإرث البلاغيّ ثمّ أنّ اشتقاقاتها تمنح الشّاعر سعة وحريّة في اشتقاق أيّة مفردة ربّما غير موجودة أساسا أمّا في الفصحي فذلك غير ممكن لأنّ الاشتقاقات لها طبيعتها النّحويّة".
ومظفّر لا يعتبر العامّيّة مضادّا للثّقافة العربيّة تشتّت الإنجاز العربيّ الإبداعيّ ، وهو يرى أنّ لها عالمها ومزاياها كما للشّعر الفصيح مزاياه...
" يا حِـزن ! يا ريت أعرفك
كنت أسوّيلك حديقة
وممشى من كاشي الفرح قدّام بيتك
يا حزن يا ريت أعرفك وين تسكن
كنت أقلّك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافه
وحدي كنت أجيتك !
يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك "
...يتبع...

15‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 8
التّمازج بين الشّعر والحياة : الخمرة
ـ المستوى الثّالث : الخمرة كدافع للإبحار في اللّغة وتثوير الصّورة الشّعريّة.
تـدفع الخمرة في جانب كبير من حضورها مظفّر النّوّاب لـولوج أعماق قصيّة في اللّغة الشّعريّة ، وإلى استحضار صور غاية في الجمال ، وشخوص وذكريات...
يقـول في قصيدته "بحّار البحّارين" :
" يـا ابـن ذريـحٍ !
هـذي الحانة باردةٌ أوقـدْ صـوتَكَ
يـرحلْ بعـضُ الإثمِ من الحانةِ
يـا ابـن ذريحٍ !
هـاتِ لنـا نغمًـا
بعضَ المشتهيـاتِ من الصّـوتِ السّـابعِ !
قـلْ نغمًـا عصفـورًا
قـل نغمًـا سـرّةَ أنثـى
قـل نغمًـا طـرقةَ بـابِ مجهولٍ !"
وفي قصيد " ترنيمات استيقظت ذات صباح" يوغل الشّاعر بعيدا في لغته ، ويرتفع نسقها عاليا راسمة مشاهد مدهشة لم تعهدها اللّغة العربيّة كثيرا ، فيقول مخاطبا "العراق" المفقود وأطياف ماضيه البعيد :
" تقـرّبـتَ !
لا...لـم تقتـربْ
كُتِـب البعـدُ في قـافِ قـربكَ منّـي
وللقـافِ نَـرْدان أرميهما والمقاديـرُ تـرمي
ويخـرج عن دِينه النّـردُ ممّا لعبْنا وممّا خسرْنا
ولـم أنسحـبْ "
إنّ اللّغة لتـرقّ وتشفّ إلى حدّ يشعر القارئ بانسيابها وترقرقها ، فيسمع ما فيها من أصوات ، ويشمّ ما فيها من روائح :
" كم شرب الكوزُ خمرًا وجفّ
عامِلْه يا سيّدي أنّه جفّ بالخمرِ و...
آه من هذه الـواو تبـدي الذي خلفها
أطـردتْني وغلّقت البابَ خلفي
فلم ينغلـقْ غيرَ نصف انغلاقْ "
وحين يفضح الشّاعر واقعه واصفا إيّاه بالخراب والوحدة فإنّه يفضحه بشجاعة نادرة دون أن يعلّقه على مشجب الغير ، بل يعلن أنّه لو عاد مرّة أخرى للحياة فلن يختار سواه :
" أتلفّـتُ ألقـى حجـاريَ حولي
شظـايايَ ، أوراقَ شعري ، بقايايَ
حقّـا تهـدّمتُ !،،،
لكنّني في المكان الذي اخترتُ ،،،
(في الجزء القادم نبدأ تناول مظفّر شاعرًا بالعاميّة...)

11‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 7

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الخمـرة
أمّا المستوى الثّاني في علاقة مظفّر النّوّاب بالخمـرة فهو مستوى اللّذّة والفرح الذي يبلغ أحيانا حدّ الطّفوليّ ،وهي لحظات لا شكّ أنّ الشّاعر يقتنصها من بين ألم الغربة والاغتراب لتكون القصيدة فيها رقيقة ، طافحة بالمتعة وقريبة من نصوص الحسن بن هانئ ، وديك الجنّ وغيرهما.
ففي نصّ يحـوي أجمل الاستهلالات الخمريّة ، وهو قصيد " القبطان"، يبتـدئ مظفّر نصّه شفّاف العاطفة ،عاشقا مدنفا محبّا للحياة :
" اِسقنيهـا
وافضحـي فـيّ المَـلامَـا ،،،
بلغتْ نشـوتَهـا الخمـرةُ في خـدّيْـكِ
نثْـرَ الـوردِ في كأسِ النّـدامَـى ،،،
ورَوتْ مبسـمَ وردٍ نـزع التّاجَ بأرواحِ السّكارى
بمعانٍ نزعتْ ألفـاظَها
وقف العشـقُ على كفّيْه مجنونا من النّشوةِ
والعـودُ ارتخـتْ أوتـارُهُ
واللّحـنُ قـامَـا ،،،"
في هذا النّصّ نلتقي الشّاعر عليما بـ"أدب الشّرب" حريصـا على احترام مقام الخمرة :
" اِسقنيهـا
وفـدى خُفّيْـكِ من يشـرب خمـرًا
وهو لا يعرف للخمـرِ مقـامَـا ،،،
أيّهـا الشّـاربُ !
إن لم تـك شفّـافًا رقيقًا كـزجاجِ الكأسِ
لا تقربْ طقوسَ السّكرِ والكينونة الكبرى
فسـوء الخمـرِ يـؤذي بينما يقتل سوءُ الخلق
فاشربْهـا كريمًـا دمثًـا
تطمع أنّ النّارَ تستثنـي الكـرامَـا ،،،"
ويعطي للخمر تعريفا أوسع من كونها أداة للّذّة والفرح :
" إنّنـي صـبٌّ أسمّـي كـلّ ما يسلبُ لبّـي خمـرةً
إن كـان حُسنًـا
أو قـراحَ المـاء من كـفّ كريـمٍ
أو حـزامًـا نـاسِفًـا
أو بيـتَ شعـرٍ أو مـدامَـا ،،،"
...يتبع...

09‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا



الجـزء 6

التّمـازج بين الشّعر والحياة

الخمـرة

إنّ علاقة مظفّر بالخمرة لتحيل حقّا على أساطين الخمريّين العرب من كبار شعراء العصر الذّهبيّ للحضارة العربيّة ... أولئك الذين اتّخذوا من التّغنّي بالخمرة انتصارا للحياة خارج "السّياج الدّغمائيّ المغلق" بتعبير أركون ، وانتسابا للمهمّشين من الموالي والفقراء الذين جرحوا دولة الخراج وجرحتهم ، والذين قفزوا فوق هذا السّياج بفعل ثقافيّة عالية تمكّنوا من أدواتها نتيجة التّزاوج بين مدارس متنوّعة أثرت بحقّ مجتمعا قبل في الأخير حقيقة وجودها.
وتمتدّ علاقة مظفّر النّوّاب بالخمرة على ثلاث مستويات :
1 ـ الخمرة كملجإ مؤلم للاغتراب :
يقول في قصيدة "البقاع" :
" تستـدين مـن الصّحـبِ جـرعةَ خمـرٍ
وتـذكرةً ثُقِبـتْ مـرّتيْن ورقعـةَ ودّ
كأنّـكَ صنـدوقُ جمـعِ الإعانـاتِ للحـزن !"
ويقول عن نفسه :
" ثَمِـلٌ
ليس عيـبٌ على ثمـلٍ بالسّـلاحِ
فـإنّ العـراقَ قـديمٌ بهـذا الغـرام !"

إنّ الخمر في علاقتها بالغربة ليست هروبا تماما بل فرصة للذّكريات أيضا وشوق للعراق :
" يـا ربُّ لـم يبـق في العمـرِ شـيءٌ
سوى ساعتيْـن صبـاحًا على دجلـةٍ والعـراقُ معـافًى "
وتغنّ بالفدائيّ:
" سيّـدي كامـدَ اللّـوزِ
علّـمْ جيـوشًـا تقـاتلنا في الشّـوارع
أنْ تتخلّـقَ خلـقَ الـرّجالِ وليـس الضّبـاعْ،،،
سيّـدي كامـدَ اللّـوز
خُـذْ من غنائي الذي يمسح البندقيّة
واتـركْ حـروبَ الـدّمـوعِ
فهـنّ العـراقُ ينـوح بنـا في اللّقـاءِ
ينـوح بنا في الـوداعْ،،،"
وفي قصيدة "بحّار البحّارين" يقول :
" يـأخـذكَ الجـوّ
وترفع إبـريق الخمـرةِ في الهـمّ شـراعًـا
!"
...يتبع...

07‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 5

التّمـازج بين الشّعر والحياة : الغـربة

لا تكاد تخلو حياة شاعر عظيم من غربة حادّة ، غربة في المكان تحيله إلى رحّالة مبعد ، وغربة في الرّوح تفضي به إلى وحدة جارحة.
وإن كان المتنبّي مثالا لما نقول فإنّ مظفّر النّوّاب سليل المنافي والغربة بامتياز...لقد عاش متنقّلا بين عواصم العالم وقارّاته : من بيروت إلى دمشق إلى اليونان وفرنسا والهند وبانكوك والجزائر وليبيا وفنزويلاّ والبرازيل والتشيلي والسّودان...والقائمة تطول.
هذا التّرحال المستمرّ شحن قصائده بحزن عميق أخّاذ وغربة كتب من حدّتها أجمل قصائده ،ففي قصيد "قراءة في دفتر المطر" يصرخ مظفّرفي وجه الوطن :
" نحن الإثنان بلا وطـنٍ يا وطني !"
كما يصرخ في وجه الأهل والنّاس :
" حقّرتم حزني
المبغى في ليل مدينتكم أكثر تسلية من حزني
القبر بليل مدينتكم أكثر أفراحًا منّي
وأنا من أقصى الحزن أتيت
أبشّـر بالإنسان
"
ثـمّ يتوجّه نحو المطلق بلغة غنائيّة عاتبة :
" لا تتـركْني !
فالشّـكّ سيقتل فيّ الإنسان !
لا تتـركني !
أفلسـتَ المنقـذَ ؟
أفلسـتَ رفيقَ المتّسخين ؟ "
وفي قصيدته "جـزر الملـح" يصبح الشّاعر بحّارا قديما ، ويستعمل ضمير المخاطب ليرسم نفسه في لحظات الغربة ضعيفا متهالكا :
" أَرسِ المركبَ يا ولـدَ البحـرِ !
كبـرتَ علـى الـرّحلاتِ
وصارت عينـاكَ تنـزّان دمـوعًـا
حيث تحـدّق في الـزّمن الآتـي
وتـرعش كفّـاكَ الحاضنتان لعـود الكبـريتِ
وأنتَ تضـيء سـراجَ القمْـرةِ "

ويحكي ثمـلا بالكون وحدته الكبرى :
" أنـتَ قفـزتَ وحيـدًا في الجبل العلـويّ
ومكتشفًـا وحـدتَكَ القصـوى "

وحين يلـوم الـذّات يخاطبها مباشرة :
" فـاسدةٌ هـذي البيضـةُ...
فاسـدةٌ يا ولـدِي لا يخرج منها عصفـورٌ !
فلمـاذا تحمل عـشَّ البيـضِ الفاسـدِ
في دَوْحـةِ كفّيْـك حـريصًـا ؟
أَلْـقِ العـشَّ إلـى البحـر
تحـرّرْ أنّـكَ ملتصـقٌ بـالبـرِّ !"
لقد بلغ الشّاعر هنا أقصى الـرّؤيا وأقصى الحـدوس :
" أغمضْـتُ
وفي رأسي نهـدٌ
والـرّأسُ لقد فـرّ مع الطّيـرِ صبـاحًـا "

...يتبع...

06‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الجـزء 4

إنّ مظفّر النّوّاب لا يكتب باللّغة بل يرسم بها حقّا حتّى لكأنّ قارئه يتأمّل فضاءات لوحة خالدة...انظروا معي هنا كيف تضوع الرّائحة ،ويتصاعد الدّخان وتتواثب الوطاويط :
" أطلـق فـلاّحٌ في أقصـى الحِنطـةِ نـارًا
فـانقضّـتْ كـلُّ وطـاويطِ الشّـاهِ هنـاك "
إنّ مظفّـر النّـوّاب لا يهـوّم لغته ،ولا يرهقها بما يفسد مزاجها من غموض قسريّ وتكثيف متهافت ،وهو واضح في موقفه هذا وكثير التّصريح به.فعن سؤال طرحه عليه اسماعيل زاير عن رأيه في شعر الحداثة أجاب مظفّر : " هناك من يتحدّث عن تفجير اللّغة...لا يوجد مثل هذا المصطلح...هذا ضحك على الذّقون...هناك تطوير للّغة وتعامل معها بمحبّة وودّ ولتكون قريبة وصديقة ".
فحين يصل القارئ إلى هذا المشهد من القصيدة ( وتريّات ليليّة ـ الحركة الثّانية ) فإنّه يشعر بالغثيان من جرّاء صور التّعذيب الذي مارسه "السّافاك" الإيرانيّ على جسد الشّاعر وروحه :
" وقفتُ أمامَ الجلاّدِ
بصقـتُ عليه من الأنفِ إلى القدميْن
فدُقّتْ رأسي ثانيةً بالأرض
وجـيء بكرسيٍّ حُفِـرتْ هـوّةُ رعـبٍ فيه
ومُـزّقت الأثـوابُ عليّ
ابتسم الجلاّدُ كأنّ عناكبَ قد هربتْ
أمسكني من كتفيّ وقال :
على هذا الكرسيّ خصيْنا بضعَ رفاقٍ فـاعترفِ الآن !"
وفي تلك اللّحظات المؤلمة تتراءى الشّخوص والأطياف من وعي الشّاعر ومن لاوعيه ، يستحضرها وتحضر لتشدّ من عزمه حتّى لا ينهـار :
" كان أبـو ذرّ خلف زجاج الشّبّاك المقفل
يزرع فيّ شجاعته...فرفضتُ
وكانت أمّي واقفةً قـدّامَ الشّعبِ بصمتٍ...فرفضتُ "
لقد طُلب من الشّاعر أن يتعهّد بأن لا يتسلّل ثانية للأهواز ، فهم كانوا يجهلون هويّته...فأجاب :
" للشّـاعرِ الـفُ جـوازٍ في الشّعـرِ
وألفُ جـوازٍ أن يتسلّـلَ للأهـواز ،،،
يـا قلبيَ ! عشـقُ الأرضِ جـواز "

...يتبع...


04‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 3
التّمـازج بين الشّعر والحياة


في الحركة الثّانية من وتريّات ليليّة تبلغ القصيدة أوج انسيابيّتها وقبضها على لحظات الهروب في القفر الإيرانيّ ،وتنفتح روح الشّاعر لتسع كلّ ما حولها وما فيها ،وتتّقـد الحواسّ لتلتقط الهواجس والـرّؤى :
" مَـنْ ذلـك يـأتي بيـن النّـثّ وبين عـواء الـذّئب
وبيـن هـروبـي في النّخـل ؟
يـرافقنـي نصـفَ الـدّربِ
وبعـد النّصف يقـول يـرافقني ! "
وبلغـة متعاليـة أنيقـة الإيقـاع والكلمـات ،تحويهـا صـور سورياليّة لا تقدر عليها سوى يـد رسّام عظيم (ومظفّر رسّام وموسيقيّ عازف على العود) يصـوّر مظفّر وصـوله منطقة "عربستان" العربيّة داخل إيران :
" فـاطبق صمـتٌ وبكـى النّخـل
وكانت سفـنٌ في آخرِ شـطّ العـرب احتفلتْ بـوصولي
ودّعنـي النّـوتيُّ وكان تنـوخيًّـا تتوجّـع فيه اللّكنـة
قـال : إلى أيـن الهجـرة ؟
فـارتبك الخـزرج والأوس بقلبي ! "
وتبـدأ مطـاردة الـذّئب الإيـرانيّ للشّاعـر :
" وشمّ الـذّئبُ الشّـاهنشـاشيُّ دمـي
سـال لُعـابُ الـذّئب علـى قـدمي
ركـض البستـانُ
وكان الـرّبُّ على أصغـر بـرعم وردٍ
نـاديتُ عليـه : ستُقتـل...فـاركـض ! "
ويـدخل الشّـاعر بيتـا لبعـض الفلاّحين ليلتقـط هـذا المشهد المـدهش :
" وجـدتُ فـوانيسَ الفـلاّحين
تُعيـن على المـوتِ حصـانًـا يحتضـرُ
عينـاهُ تضيئـان بضـوء خافـت فوق أنـوف الفـلاّحين
وينشـج لـو مـات على الـرّيحِ..."
لتلتقي روح الحصان بروح الشّاعر،فهو هنا يرسم الذّات والكون.ويحكي واقع هؤلاء الفلاّحين العرب تاريخا وعزما وأحلاما :
" وصرختُ إلهِـي !
أولاء الفلاّحين كـم انتظـروا
علّمهـم ذاك حُسين الأهـوازيُّ من القرن الرّابع للهجرة
علّمهم علـمَ الشّعـبِ على ضَـوءِ الفـانـوسِ وَلا واللّـه على ضـوء الظّلمـةِ !! "
...يتبع...