05/12/2011

مـدارات في حـان سيّـدةٍ لا أعـرفُها

مـداراتُ حـزنٍ...وخمــرٍ

أَزيــحُ بهـا بـاتّجـاهِ الغُيــوبِ

وأَحْجُــو بـأسـرارِهـا أنْ يـراها العبـادُ بعيـدًا...

بعيـدًا وراءَ قـلاعٍ لآلهـةٍ هَـرِمـتْ

أَلِفتْــها الخليقـةُ كشفًــا !

ولازال سيـفُ " بـراءةً " فـوق الـرّؤوسِ !

وإنّـي إذا طَــرٍبَ الحــانُ أَزهُــو ،

وتختــالُ روحـيَ عــاريـةً رشفتيْــنِ..

وتسقــــطُ !

قــــد ثَملــــتْ ؟

أم تُــــرى عَثـرتْ في هـواهـا القـديــم ِ؟

ومَـن ليـس يعثــر فـي لحظـاتِ الغــرامْ ؟،،،

أم دم خــالـصِ الانتمــاءِ

فــأربَكهَــا طيبُــهُ ،وصـراخٌ بـه

وبكـــــاءُ حمــــامْ؟،،،

هــــذا دمٌ

نَــزفتْــهُ الجمـاهيــرُ مـن مقلتيْهـا

وإنّـي لـدى الحــانِ أقــرؤُهُ

بـاردًا مثـلَ نـايٍ قــديــمٍ

يُصفّـرُ فيـه الــرّعـاةُ مـواويـلَ حــزنٍ

فــــأَطـــرَبُ...

والــرّوحُ أُرجـوحــةٌ فـي الغمــامْ ،،،

هـــــذا دمٌ

شتمتْــهُ اليســاراتُ ســرًّا !

وأَفتَــى بـه البعـضُ صَـونًـا لإسْــتِ الحكــومـاتِ

أنّ الخـــروجَ حـــــرامْ !،،،

* * *

مـداراتُ خمــرٍ

وقـــد طَــرٍبَ الحـــانُ !

والقلبُ بيـتٌ تضـجُّ شبـابيكُـه بـالحمـامِ !

وسيّـدةٌ كغمـامـةِ حـزنٍ..تمـرُّ

إلـى مـوعـدٍ قـد تـأخّـر...

أسـرفـتُ في الخمـرِ لكنّنـي أتفتّـحُ كـالـزّهـرِ.

يقطـرُ قلبـي غـرامًـا

وثمّـةَ طبْـلٌ بـإيقـاع أغنيـةٍ

"إيـشْ خطّـره صُـوبْ القـديمْ اللّيلـه ؟"

سـواكِ !

وقلبـي... يـرفّ جناحاهُ منتشيًـا بالضّبـابِ

إلـى مـوضـعٍ دافـئٍ

نهـديْـكِ سيّـدتـي واستـداراتِ عمقـكِ

يـا سـاقييَّ !

طـربتُ ،ويعجبُنـي وجـهُ ربّكمـا

والقنــــانْ ،،،،

فـإنْ رابنِـي منكمـا اللّيـلُ شيئًـا

صحَـوْتُ

وأخلفــتُ وعـديَ إيّـاكمـا مـن دمِـي

وشَطَبــتُ المكــانْ ،،،،

أنـا قـــارئُ الحـانِ

عنـوانُـهُ

وشتـاتُ الـذيـن يجيئـونُـهُ

فبــأيّ آلاءِ خمـرِكمـا تمْكُـرانْ؟،،،

ثمّ مُسيْلمـةٌ هـا هنـا

وربٌّ بـأيْمـانِـهِ لا رسـولَ !

فيـا سـاقيـيَّ اقتـلاهُ

وفــــــي عُنُقِــي دمُــهُ !

لتكـونَ الحيـاةُ لنـا

والـــزّمـــانْ ،،،

مثلمـا ذاك !

فـي سـرْتَ

والـرّأسُ مصلـوبةٌ فـي الـرّيـاحِ

دمًــا وجُـروحًـا

وربُّـكَ فـي آخـرِ الكـونِ قـد هـرِمتْ شفتـاهُ شُـرودًا

أيْ إلهـي ألسـتَ تـرانْ ؟؟،،،

أَغمـضْ فلسـتَ يشـوعًـا !

ولسـتَ يسـارًا بقـدرِ اليسـارِ !

ولسـتَ أمينًـا لغيـرِ الـدّمـاءِ

ومَـنْ ليـس يفهـمُ قـوميّةً للـدّماءِ

جبـــــــــــانْ ،،،،

وأغمـضَ

تـــــاللّــهِ أغمـضَ !

ومقهًـى ببيـروتَ بـثّ لأوجــاعه نغمًـا في الضّبـابِ

أنــا...سـوفَ أَبكيـكَ فجــرًا

لأغســلَ روحـي مـن الخـوضِ فيـكَ

فــأنتَ رفيـقُ الصّبــا

وأوّلُ مـا غـزَلَ الفكـرُ فـي عـالَمي

والبَيَـــانْ ،،،

"تبكِـنْ عليـه ولاّ لا؟؟

خَطَــرْ عَـزيـزْ والـرّايْ رايكِـنْ"

ثمِلـــتُ !

فـذا دمُـهُ سخِـنٌ

والأعـاريبُ تـرقـصُ فيـهِ

وطهــرانُ شـامتةً

ولـي شبـقُ فـي نسـاءِ الأيمّـةِ نـذْرا لـروحِ علـيٍّ

فــإنّ الإمـامَ هنـا ظـاهـريٌّ !

ويقـرأُ ـ قيـلَ ـ لمــاركـسَ وابــنِ المقفّـعِ

لكنّـــهُ لا يــرى فـي النّبيـذِ

وقــالَ بغيـر النّســائيّ في الــواحــدَهْ ،،،

وقيـل يُبسمـلُ قبـلَ الـولوجِ !

جِمـاعًــا

بكـلّ اليســارِ !

وأفخــاذِهِ الـرّائــدَهْ ،،،،

هـــذا إمــامُ التّكــايــا

وأَلــواحِهــا البــائــــدَهْ !،،،،

هــذا إمــامُ الغيــومِ

ولُــجِّ المحيطــاتِ !

يُبــرِئ أكمهَنــا

ويقطّــعُ ألسنــةً جــاحــدَهْ ،،،،

ويقعُــدُ للــبــاهِ مثْنًــى...

ومـا ملكــتْ يــدُهُ... رافِـــــدَهْ ،،،

فَـــإنْ طَــرِب الحانُ

سبَّ المُـريدونَ ثــورتَهـمْ

أن تنــامَ بــأحضـان مــنْ خـذلـوها

بســاعاتهـا الـــواقِــدَهْ ،،،

* * *

وقــد طــرِبَ الحــانُ

والنّــادلان لقـد ثمــلاَ

وسيّــدة آبــتِ الآن مـن مـوعـدٍ لـم يكــنْ...

غيــرَ وَهْــمٍ رديءٍ

كسُكــرٍ رديءٍ !

ألا إنّ بعـضَ النّبيـذِ الــرّديء أشــدُّ ،،،

تقـولُ : أريـدُ الخِـلافـةَ

إنّ اليســارَ يكــذّبُ آي النّســاءِ

ويقــراُ ـ لا ســامـحَ اللّـهُ ـ غيــرَ الكتــابِ

وفـي جــدل الــرّوحِ يُقصــرُ

ثــمّ يمُـــدُّ !،،،

فللحــانِ ورْدُ ،،،،

ولِـي وردتــانِ

فــإنّـي أنــا سيّــدُ المــارقيـنَ

وصحبِـي الـذين إذا شربـوا ملـؤوا الحـان حبًّـا

وإن وقفُـوا وقف اللّـهُ جانبَهـم

فــاستبــدّ بهـم...واستبــدُّوا !،،،،

أقـولُ لكـمْ

ســأبيـحُ الشّيـوخَ لأصلابكـم

والنّصـوص جميعًـا !

ومَـن قــال هــذا إمــامي لغيـر إمـامِكُـمُ...

فــاستعـــــدُّوا !،،،،

* * *

" عْيُــونِكْ تســابيحْ طِيـــرْ !

تِجــاويبْهَــا في الغَــديـرْ ...

بكَّـرْ ...نـاوِي مشـاويـرْ

جِنحيــهْ مِتْعــانْـــداتْ ،،،

عيــونِـكِ تِنـاهيـدْ روحْ

شبّـاكْ فــاتِحْ..جــروحْ

نِبـتْ وَرِدْ فيه...والسّطـوحْ

طَــاحْ النِّـدِى..راوْيــاتْ...

محمّد الخامس ـ المريسة ـ قربص ـ نوفمبر 2011

21/06/2010

الأغنية "الشّعبيّة" في ليبيا بين الاحتفاء الشّعبيّ والسّخرية الإعلاميّة ـ فوزي المزداوي مثالا

توطئة :

في دراسة سابقة ، تعرّضت إلى أوجه الشّبه والتّمايز للأغنية الشّعبيّة في كلّ من تونس وليبيا ، وقدّمت أساسًا لدراستي أنموذجين من التّجارب الغنائيّة : محمّد حسن وبلقاسم بوقنّه ، حيث انتهيت إلى أنّ كلاّ من التّجربتيْن شهدتا وتشهدان أفولاً لا يخفى علينا ـ وإن كان بطيئا بحكم البطء العامّ لحركة المجتمع الحضاريّة عموما ـ وأزمة ـ وإن كانت خفيّة ـ تربك مسيرتيْهما بسبب عدم القدرة على التجدّد والتّجديد ، بالرّغم عن حجم تجربة محمّد حسن مقارنة بتجربة بوقنّه.

وقد ارتأيت في هذا الجزء الثّاني من الدّراسة الولوج أكثر في المسألة ( أقصد الأغنية الشّعبيّة ولو أنّ لنا رأيا في التّسمية ) ، وتلمّس تفاصيلها بالاقتراب منها وتفكيك ما اُلتبس من مساراتها ، وطرح الأسئلة حول أسباب انتشارها الشعبيّ ، وأيضا ـ خاصّة ـ حول اغترابها في المؤسّسة الإعلاميّة الرّسميّة في ليبيا.

لمـاذا فوزي المزداوي :

استقرّ رأيي أخيرا على اختيار هذا الفنّان لأسباب عديدة أظنّها مقنعة لي ، ليس من بينها ـ كما أزعم ـ العلاقة الشّخصيّة .

ففوزي المزداوي يحظى بشهرة ساحقة عند جمهور النّاس في كامل ليبيا ، وخاصّة في طرابلس مقرّ سكناه ونشاطه ،حيث يتهافت اللّيبيّون عليه لإحياء حفلاتهم الخاصّة ويدفعون لحضوره أثمانا هي الأعلى بلا منازع ، ممّا جعله يجني أموالا طائلة هي مقابل عادل لما يضيفه من فرح على الفرح ، وما يمثّله حضوره من دلالات الحظوة والشّهرة اللّتي تطال الأسرة بكاملها ، وما تجنيه ألبوماته وأشرطته من مبيعات غير مسبوقة.

أمّا فنّيّا ، فالمزداوي يجمع صفات قلّما اجتمعت لدى شابّ فنّان مثله...هو عازف من طراز عال لآلات عديدة كالأكرديون والعود والأورغ والطّبلة ، كما أنّه يمتلك صوتا نفيسا جميلا ومعبّرا مكّنه من أداء أغانيه بشكل أدهش حتى معارضي فنّه "الشّعبي" .وقد برع في الموّال الذي يحرص على أن يكون حاضرا دوما في مفتتح حفلاته أو وصلاته كما تُعرف في "المرسكاوي" ، وهو ينتقل بين أنماط الموّال جميعا من الشرقيّ الكلاسيكيّ إلى اللّيبيّ العريق والعتيق (العلم مثلا) بسلاسة مدهشة وتمكّن نادر ، يذكّرك بصوت أطرب العرب منذ طفولته ، هو صوت "جورج وسوف" في أعلى قدرته ، وفي أسمى عنفوانه.

وعلى مستوى التّجـديد وتنويع التجربة والبحث عن آفاق أخرى لها ، فقد جاب المزداوي آفاقا عديدة ...لقد انتقل ومازج بين أشكال متنوّعة من الموسيقى ، فأدّى "الرّيقي" في ألبوم "محبوبة قلبي " ، وأدّى ما أصطلح على تسميته بموسيقى الجيل كما في ألبومه " حبّي الأوّل" .، وقدّم الموسيقى الحديثة (التسمية التي يطلقها "أرثوذكس" الإذاعة والتّلفزيون في ليبيا كما سنرى لاحقا) في ألبوم "بنسامحك هالمرّه" ، إضافة طبعا إلى "المرسكاوي" الذي يعتبره اللّيبيّون ملِكا له ، والذي قدّم فيه معظم إنتاجه وأشهره.

الوصـاية على الفنّ / الأرثوذكس :

ما الذي يمنع فوزي المزداوي من الوصول إلى جمهوره الواسع عبر وسائل الإعلام الرّسميّة رغم كلّ ما تتمتّع به تجربته الغنائيّة من ثراء وتفرّد كما بيّنّا آنفا ؟

من يضع "فيتو" صارما على ظهوره فيها ؟ وما أسباب هذا الحظر العنيف والرّفض القاطع للأغنية "الشعبيّة" في ليبيا من قبل مؤسّسات تقبض بيد من حديد على وسائل الإعلام رغم شعار : إنّ الشّعوب لا تنسجم إلاّ مع تراثها وفنونها ؟ ولمَ يتمتّع البعض بكلّ أضواء الشّهرة التي يوفّرها التّلفزيون والإذاعة بينما يُسدل ستار التّجاهل والتّعامي والتّعالي والاحتقار على مبدعين حقيقيّين وهبوا حياتهم لفنّهم ؟

أسئلة ـ وغيرها ـ حاولنا الغوص عميقا لتفكيك شفرات إجاباتها عبر مواجهة المبرّرات المطروحة ، لفكّ عقدها ، والوصول إلى ما ورائها من تهافت ودحضه ، أو من مقنعات وتثبيتها.

نشير في البداية إلى أنّ الأغنية "الشّعبيّة" في ليبيا ـ كما في كثير من البلد العربيّة ـ قد نشأت من خلال الشّعر، حيث أنّ الشاعر حين يصوغ قصيدته ، فإنّه يتمثّل لها "لحنا" ينشدها أو يؤدّيها على أساسه.

من هنا يقول المعارضون الأوصياء أنّ أوزان الشّعر العاميّ هي نفسها تقريبا ألحان الأغنية الشّعبيّة.ومن هنا يتمّ تجاهل التّأليف الموسيقيّ ودور الملحّن فيها ، فهي مجموعة قليلة العدد من القوالب اللّحنيّة الجاهزة ،أو هكذا فهمها المشتغلون بهذا النّوع من الغناء ،فأغفلوا دور الملحّن ،وانكفؤوا على هذه القوالب "يصبّون" فيها ما يختارونه من نصوص شعريّة يغنّونها ،دون أيّة محاولة للتّجديد أو الخلق الفنّيّ ، رغم أنّ الذين سبقوا بهذه الجمل اللّحنيّة كانوا شعراء وليسوا ملحّنين.

هذا مأخذ أوّل يقدّمه رافضو الأغنية الشّعبيّة : ليس هناك تأليف موسيقيّ تعبيريّ في هذه الأغنية بل مجرّد قوالب جامدة وساذجة وقعت صياغتها منذ عشرات الّسنين ،وظلّت دون تطوير أو فعل فنّيّ يستحقّ الذّكر.

ونحن إذ نوافقهم في هذا النّقد السّليم ،وفي هذا "العتاب" على الأغنية الشّعبيّة التي لم يطوّر أصحابها أيّ معنى للتأليف الموسيقيّ فيها ، فإنّنا نسأل عن مدى براءة هذا الموقف... فنقول لمَ تُـقدّم أغان شعبيّة بعينها أقلّ احترافا في مستوى التّوزيع والأداء، عبر الإذاعة والتّلفزيون مرارا وتكرارا ؟ أليس لحضور السّياسيّ فيها وتغنّيها بالأمجاد ؟؟ ونحن لا ننزع هذا الحقّ عن مؤسّسات تملكها الدّولة ، إنّما نستكشف ما وراء مبرّراتها من لا واقعيّة وغموض...نقول هذا فقط ، وننأى عن التّفاصيل ، فهدفنا هو تتبّع تناسق مبرّرات الرّفض لا المسألة السّياسيّة ، بالرّغم من إيماننا بسعة صدر الإخوة في ليبيا اليوم بالرّأي المخالف حتّى وإن كان سياسيّا ، بفعل التّحوّلات العميقة التي تشقّ المجتمع في كلّ الاتّجاهات ، وهو مسار يسعدنا كثيرا.

المبرّر الثّاني لرفض عودة الأغنية الشّعبيّة إلى أحضان الإعلام ، يدور حول مسألة مهمّة أيضا على علاقة وثيقة بالمبرّر الأوّل الذي ذكرناه سابقا ، هي مسألة الكلمة المغنّاة...فبعض النّقّاد يرون أنّ الشّعر المليء بالكنايات والتّشبيهات وأصناف البديع ـ أي كما خرج من عقل الشّاعر ـ لا يساعد الملحّن على التّأليف الموسيقيّ ، كما أنّه ليس ضروريّا لنأتي بأغنية جميلة ، فيكفي من الكلمات أن تكون مفهومة وليس فيها إسفاف.

لذلك يرون ـ وهم على حقّ تماما ـ أنّ كلمات الأغنية تستلزم "مولّفا للمعاني له دراية ما بالجملة الموسيقيّة، لا شاعرا فقط" ـ (النّاقد زياد العيساوي).

وهذا رأي أكثر رجاحة وسدادا من الأوّل ، وهو نظرة عميقة وواعية لكتابة الأغنية لم تقـدر الأغنية الشّعبيّة فعلا على تمثّله واستيعابه لا في ليبيا ولا في تونس كما يبدو لنا...ونحن نرى أنّ القصيدة الشّعبيّة بنمطها الحالي المتوارث تشكّل عائقا كبيرا أمام تطوير أغنيتها وتحديثها في مستويات اللّحن والتأليف الموسيقيّ ، ولنا في تجارب أخرى (سنعود إليها لاحقا) أمثلة على ثورات حقيقيّة حدثت للأغنية الشعبيّة مباشرة بعد تحرير بعض الشّعراء الروّاد قصائدهم العاميّة من عوالمها الهزيلة القابعة على هامش التّاريخ والانسان والمقيّدة إلى وحل التّجربة الأولى كما أسّس لها المبدعون الأوائل.

ولكن ، مرّة أخرى ، نسأل عن مدى تمسّك "المحافظين" بحرفيّة هذا الرّأي ، ونستغرب من "تسرّب" عديد الأغاني إلى الإذاعات المرئيّة والمسموعة بتلك النّصوص الشّعريّة ذاتها ، تلك التي ساندنا الرؤية النّقديّة في عجزها على إثارة الحداثة الموسيقيّة..ومرّة أخرى نسأل عن مدى براءة هذا الموقف ،ونصمت صمتا يدفع بسؤالنا بعيدا.

فهل كُتب على فنّاني ليبيا الشّعبيّين العيش في الظّلمة ؟ وهل يمنع فوزي المزداوي حتّى من الذّكر أو حتّى من خبر صغير عن حالته ؟ فوزي الذي تعشقه الملايين وتحقّق ألبوماته مبيعات خياليّة ،وتتودّد إليه فئات رفيعة في المجتمع اللّيبيّ ؟

نطرح أسئلتنا ، وندعو كلّ الأصدقاء في ليبيا لفكّ العقال عن أعمال فوزي وتمكين النقّاد والجمهور من معانقتها والاستمتاع بها ، لعلّ ذلك يدفع به إلى تطوير أغنيته وتحديثها مثلما نرجو جميعا.

محمّد الخامس ـ جوان 2010

09/03/2010

في سهرة "قدماء بئر الباي" (ج1)

محمّد الخامس بن لطيّف من شرفته : بعيدا في الجرح

ما عليكَ سوى أن ترتّب روحك ،وتصالحها..فلا أحد هنا ،وفي هذه السّاعة يملؤك أو يثيرك !

كان المطر غزيرا..والقاعة تضجّ بفرح خفيّ

" شجون على باب قلبي يُسيّجنه

وغرام قديم يدخّن في شرفة العمر بعضَ وصالٍ قديم ،

يقول : وصالٌ قديـمْ !،،،"

كذا انطلق صوته ،على غير العادة ،بلا أيّ مقام...خافتا حزينا...نافذا إلى الأمس بحذر زلق...

" ألا يصـل الرّوحَ ؟

آه...صرت بلا أيّ روحٍ !،،،"

تغيّم الكلمات ،وتكفهرّ ملامحها تمهيدا لولادات سلسة إنّما غاضبة وحزينة :

" وقال بكت لضياعي

فإنّي أطيّر أمنيةً كلّ فجر لها ،

وطائرةً من حنينٍ

يرنّحها السّكرُ بين الغيومْ ،،،"

فتطفر ذكريات الحبّ البعيد ممطرةً ،مبلّلة روحه العنيدة ،وينزاح المشهد إلى طفولة يشدّ عليها بكلّ أصابعه :

" وبكى بين أضلعه مثـل طفلٍ !"

لكن سرعان ما تتكهّل صور صباه الجميل لترسم بعين حاضره ما يراه :

تقرّحت بالخمر حدّ التفـرّدِ

والانتماء لنفسيَ دون الجميعِ

وهـذا انتماءٌ عظيـمْ ،،،"

ربما هذا ما تريد القصيدة قوله ،وهذا ما قالته على مدى نتوءاتها

" سقط البعضُ عن وعيهِ الجدليِّ "

هنا...تعصف الكلمات وينفتح طقسها على أشدّه مرعدا بارقا :

ألا أيّهـذا الحقيرُ بطهـرانَ !

بـالـذّاتِ طهـران !"

فيكشف ما تحت السّياسة – العقيدة التي أفسدها "اليرقان الخمينيّ" و"الصّفويّ الجديد" ليحقنها بالسّؤال أوّلا :

" أم يرى الحرس الطّائفيّ دما غير هـذا ؟؟ "

ثم يهاجمها بعنف يراه على قدر الدم المسفوك ،فينفجر صوته هادرا لتخرج بعض المحجّبات من القاعة كدلالة على حدّة ولوج النصّ :

" قدماي بإست المراجع قاطبةً

والإمـامِ !"

إثره ينقشع الجوّ فكأنّما أصوات عصافير وأضواء قناديل ملوّنة واشتهاءات :

" ضاع بأرجائه جسد عجنته الحكايا

وأسرف في التّيه

أمسكتَ نفسك تكتبه

شبقا في خفاياه

في رعشة النّهد خوف الذّنوب الصّغيرة ،،،"

ويعود الصّوت خافتا حزينا...ممتعضا من دخول زمن ما بعد الكلمات وبعد النصّ...(يتبع)