15‏/04‏/2009

محمّـد الطّـويل : لـواء الشّعـر الخفّـاق(3)




في ذلـك اللّقـاء الجميـل...

تحـدّث "الطّويل" عـن عـلاقته بـ"البـرغوثي" الـذي لا يـذكـره إلاّ بـاسم "سي احمـد" احتـراما وإكبـارا ، وكيف اعتـذر منه حين خـالفه فـي كيفيّة قطـع ضحضـاح "الـدّغّـاري" الشّهيـر ، حيث صـوّر "البـرغوثي" رحلـة العبـور على حصـان ، بينمـا رأى "الطّـويل" استحـالة ذلـك إلاّ بـواسطة الجمـل.

وأطـرف مـا سمعـت مـن "محمّـد الطّـويل" في ذلـك اللّقـاء قصيـد نـادر عـن "ثورة الفاتح"...قـال :

حين تولّى "القذّافي" ورفاقه السّلطة في ليبيا سنة 1969 كنـتُ هنـاك...وقـد تـمّ استدعائي للّقاء مع إحدى الشّخصيّات المهمّة...فوجئت بوجود "عبد السّلام جلّود" ضمن مجموعة كبيرة من الشّعراء اللّيبيّين...لم أكن أعرف سبب الدّعوة ، ولذلك شعرتُ ببعض الحرج حين بـدأ الشّعـراء يلقون قصائـدهم عن الثّورة...

وصل دوري ، فقلتُ مرتجـلا :

اليُـومْ فـرحْـتِ ليبـيا وفـرحـوا جيـرانِـكْ

فـرحة طـولْ زمـانِـكْ

كنـتِ عميَـا مغمّضـه وانحلُّـوا أعيـانِـكْ

وقـد أُعجب "جلّود" بالقصيـد أيّمـا إعجـاب ، وفضّـل "المـرزوقي" على شعراء ليبيـا (انتهت رواية الطّويل)

والقصيد من القصائد النّادرة لشاعر أخشى أنّ كثيرا من شعره قد ضاع...وللأسف الشّديد حتّى ابنه لم يكتب أو يسجّل له شيئا قبل وفاته...ويبقى أملي في واحد من محبّي هذا الشّاعر الفريد وهو "العيدي بلغيث" الذي سمعتُ أنّه جمع كثيرا ممّا كتب "الطّويل"...وأتمنّى على "أبي ناظم" و"الشّكري" و"إبراهيم وكمال بن لطيّف" و"منصور فرج" و"علي لسود"...وكثير من أهل دوز المساعدة في إصدارهذا الديوان...قريبا...

13‏/04‏/2009

محمّـد الطّـويل : لـواء الشّعـر الخفّـاق (2)


فـوجئنـا بـه متّكـئا علـى الجـدار الخـارجيّ للـ"حـوش" ينظـر إلـى المـارّة في الطّـريق ، أو هكـذا خيّـل إلينـا...

سلّمنـا بحـرارة ، وانتسبنـا ، فتهلّلت أسـارير وجهـه ، واستقـام جالسـا :

ـ أتعـرفـان أنّ الشّعـر "جـاءنـي" مـن جـدّكما ؟ فـأسرتي "الطّـوال" لـم تنجب شاعـرا قبلـي !

بـدأنا نحـاول النّفـاذ إلى عمقـه ببعض الأسئلـة...كـان الـرّجل بحـرا من الكـلام الطّلق...مسهبـا في الحـديث عن القبيلة وأفخـاذها وبطـونها ، فهو نسّـابة مقتـدر...

سـألتـه : مـا الشّعـر ؟

أجـاب مستشهـدا ببيتيْن من قصيـدة لـه شهيـرة :

مَعْنَـى وقـافيـهْ وشـارحْ وبَـزْ

وشاعـرْ بَحَـرْ في معنـى الـرّموز

ستـلاحظون مثلي أنّ رؤيـة "الطّويل" للشّعـر كمفهـوم تتقـاطع في جـزء منهـا مـع المسّلمـات التّقليـديّة...إنّما تتجـاوزه في جانب آخـر عنـد اعتبـاره الـرّمز إحـدى قـواعد الشّعـر...

تحـدّث ، كـأنّما إلـى نفسه ، عـن الوزن الشّعـريّ ، وكيف أنّ البعض من الشّعـراء المعـروفين يسقط وزنـه دون أن ينتبه لـذلك أحـد...سـألنـاه عـن سبب شهـرة قصـائده ، وإعجاب النّاس بها...فـردّ الأمـر إلى اعتمـاده أكثـر من إيقاع وأكثـر من نـوع في القصيـد الـواحد ، مثلمـا فعل في "قسيمه" الـرّائع :

أحّيـت روحي فـدّتْ والـراسْ راح شِيـبْ

ويـا صاحبـي نحكيلـكْ ببّـاهِـر البـدوعْ

حيـث يتخلّص "الطّويل" من هـذا الوزن ليبلـغ حـدود الإيقـاع الـرّاقص :

يـا جـدودي لثنِيـنْ

إِلّيِيمـتْ نـرعيكـمْ

لي مـدّه وسْنيـنْ

نستنّــى فيكـــمْ

(...يتبع...)

09‏/04‏/2009

محمّـد الطّـويل : لـواء الشّعـر الخفّـاق

هـو واحـد مـن الشّعـراء الـذين تـدرك نبـوغهم وموهبتهـم بسهـولة ،وبمجـرّد أن يقـع نظـرك عليهم...
لقـد أنجـب المـرازيق ـ ولا يـزالون ـ شعـراء كبـارا...ولكـنّ "محمّـد الطّـويل " ـ فيما أزعـم ـ أعظمهم شـأنـا...
ورغـم بنيته الجسـديّة الضّخمة ،وبـدويّته العفـويّة ، فهو مـن أرقّ الشّعـراء حين يتغـزّل ، وإن كـان غـزله قليـلا أو محجـوبا ،بسبب شفـاهيّة النّقـل ، وحفـظ النّـاس لشعـره الـذي كـان ينشـده فـي الأعـراس ، وهو في الغـالب شعـر منضبط ، محكـوم بمـواضيع العـرس مثـل "الـرّبط" و"الحجي"...
بـرع "الطّـويل" فـي الهجـاء ،وتقـاسمه مع أحـد جهـابـذة هـذا اللّـون مـن القـول الشّعـريّ ، وهـو "علي البكّوش" الـذي كـان "الطّـويل " يخشـاه أشـدّ الخشيـة ،لأنّـه كـان يدفـع بالهجـاء إلـى حـدوده القصـوى في لغـة جـارحة فـاضحة ، مثـل هـذا النّـصّ الـذي يقسـم فيه "علي البكّـوش" ظهـر "الطّـويل" بعبـارات مهينة ، ويظهـره في صـورة فسّـاء :
راكْ مـاكش حـيْ مـع لُمَّـهْ
جـريتلَكْ في الوطنْ غريبهْ
بوشَكْ في مواعيـد اللّـمّـهْ
يقبقِـبْ زي جَـرّه أم رقيبَهْ
( لُمّـه = الأمّه / النّاس
البـوش = الشّرج )
وكـان لـي شـرف مجـالسة "محمّد الطّويل" في أخريات أيّامه...فهـذا الشّاعر الفحـل على عـلاقة دمٍ مَـا بأسـرتي ، وكان يحمـل نحـوها شعـورا بمعـروفٍ أفصـح لـي عـنـه في ذلـك اللّقـاء الجميـل..... ( يتبع)