26‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (1)

مـدخل : كتابان من أهمّ ما ألّف العرب شدّاني وأعتبرهما مدخليْن رئيسيْن لفحم تاريخانيّة العقل العربيّ ، فُتنت بهما حدّ القراءات المسترسلة بما أنّهما مكّناني من استقراء تاريخ الدّولة وتاريخ المجتمع عبر تشابكات الزّمن .هما " الخراج" لأبي يوسف و"قطب السّرور في أوصاف الخمور" للرّقيق القيروانيّ.
وفي اتظار تناول كتاب "الخراج" ، أتعرّض في هذه المرحلة إلى الكتاب الثّاني الذي تعرّض لإشكاليّة من أهمّ إشكاليّات الفقه الإسلاميّ ألا وهي الموقف من الخمر.
هل ثمّة اتّفاق على المفهوم ؟ وعلى التّحريم ؟ وعلى ما ألفناه من القياس الأرسطيّ المستخدَم للبتّ في المسألة ؟
الإشكاليّة والمأزق الفقهيّ :
يقول الرّقيق القيروانيّ : أمّا تحريم الخمر فمجمَع عليه ، لا اختلاف فيه بين اثنيْن من الإئمّة والعلماء ، وتحريم النّبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب رسول اللّه (ص) والتّابعين بإحسان حتّى لقد اضطرّ محمّد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلمانيّ عن النّبيذ ، فقال له عبيدة : أختُلف علينا في النّبيذ.
وكان عبيدة ممّن أدرك أبا بكر وعمر ، فما ظنّك بشيء اختلف فيه النّاس وأصحاب النّبيء متوافرون ؟ فمن بين مطلقٍ وكارهٍ ، وكلّ يقيم الحجّة لمذهبه والشّاهد على قوله.
فما هو النّبيذ أوّلا ؟
يقول القيروانيّ : هو كلّ ما نبذ في الدّباء والمزفّت حتّى اشتدّ حتّى يسكر كثيره ، وما لم يشتدّ فليس يُسمّى نبيذا.وهو ما لم يُغل من عصير العنب فليس يُسمّى خمرا.
قال حفص بن غيات : كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث فسترتُه ، فقال : لمَ سترته ؟ فكرهتُ أن أقول لئلاّ يراه من يدخل ، فقلتُ : كرهت أن يقع فيه الذّباب ، فقال لي : هيهات ، هو أمنع من ذلك جانبا !
ثمّ يستعرض القيروانيّ اختلافات الفقهاء في التّحريم والإباحة إلى أن يقول :
وقد شرب رسول اللّه من سقاية العبّاس ، فوجده (يعني النّبيذ) شديدا فقطّب بين عينيه ، ودعا بذنوب من ماء زمزم فصبّ عليه ، وقال : إذا كان هكذا فاكسروه بالماء.ولو كان حراما لأراقه وما صبّ عليه من ماء ثمّ شربه.
وكان النّبيء قد نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثمّ وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرّة ألوانهم ، سيّئة حالهم ، فسألهم عن قصّتهم ، فأعلموه أنّهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه ، فأذن لهم في شربه.
ثمّ ، وهذا أكبر ما أُشكل عليهم ، أنّ ابن مسعود ( وما أدراك ما بن مسعود) قال : شهدنا التّحريم وشهدتم ، وشهدنا التّحليل وغبتم. وهو الذي كان يشرب الصّلب من النّبيذ حتّى كثرت الرّوايات به عنه ، وشُهرت وأُذيعت واتّبعه عليها من الكوفيّين ، وجعلوه أعظم حججهم . قال في ذلك شاعرهم :
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ....في جوف خابية ماء العناقيد
إنّي لأكره تشديد الرّواة لنـا ...فيها ويعجبني قول ابن مسعود
...يتبع

18‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 9
مظفّر شاعرا عامّيّا
" عـوّدتني
انتظر...وارسمْ على الأيّام موعد
قتلي من يعتق جرح..جرحين
يتلاقه وجعها...
عوّدتني
أترك إبّيتك بطاقة عيد وموعد
وأكتب ببابك إذا مسافر...كلمتين
ولقيتك امسافر من غير رجعة..."
مظفّر النّوّاب ليس شاعرا شعبيّا...بل هو الشّاعر الذي أوجد الشّعر العاميّ الحديث في العراق ، وساهم في تطويره وإغنائه وتكوين مدرسته الخاصّة به التي لقيت شعبيّة لا مثيل لها ، بل أنّ مظفّرا هو بالأساس شاعر بالعامّيّة اشتهر بقصائده الفصحى .
لقد برزت عبقريّة النّوّاب في كونه ارتقى بالقصيدة العامّيّة إلى مستوى القصيدة الفصيحة شكلا...ولغة...وحين استغرب البعض من اللّغة المكتوبة في نصوصه العامّيّة اعتمادا على الشّكلانيّة زعما بأنّ الشّعب لا يتكلّم بمثل هذه اللّغة ، قال مظفّر " هذه لغتي أنا...وليست لغة الشّعب" ، وذلك صحيح تماما فالشّاعر يصنع اللّغة لا العكس...
تعود علاقة مظفّر بالشّعر العامّيّ كما يقول هو إلى أسباب أربعة :
ـ بيئته الطّفوليّة التي عاشها والقريبة من أجواء بيته المشحونة بهدهدات المهد والأهازيج والسبايات .
ـ قدرة العامّيّة على ملامسة النّاس مثلما كان الأمر مع العامّيّة المصريّة.
ـ تمتّع العامّيّة بغنى جماليّ موروث وغير مدروس جيّدا.
ـ عامل شخصيّ يعود إلى زيارته سنة 1955 إلى أهوار العمارة (إحدى مدن جنوب العراق الرّئيسيّة) حيث استمع إلى بعض المغنّين " غرير " و"جويسم" و" سيّد فالح" الذين أذهلوه بغنائهم...لحظتها كما يقول "تكشّف له عالم مهمل لكنّه مليء بالجمال..."
لقد شبّه مظفّر الكتابة بالعاميّة بالنّحت على الطّين "كونها مطواعة وبعيدة عن موضوع النّحو والإرث البلاغيّ ثمّ أنّ اشتقاقاتها تمنح الشّاعر سعة وحريّة في اشتقاق أيّة مفردة ربّما غير موجودة أساسا أمّا في الفصحي فذلك غير ممكن لأنّ الاشتقاقات لها طبيعتها النّحويّة".
ومظفّر لا يعتبر العامّيّة مضادّا للثّقافة العربيّة تشتّت الإنجاز العربيّ الإبداعيّ ، وهو يرى أنّ لها عالمها ومزاياها كما للشّعر الفصيح مزاياه...
" يا حِـزن ! يا ريت أعرفك
كنت أسوّيلك حديقة
وممشى من كاشي الفرح قدّام بيتك
يا حزن يا ريت أعرفك وين تسكن
كنت أقلّك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافه
وحدي كنت أجيتك !
يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك "
...يتبع...

15‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 8
التّمازج بين الشّعر والحياة : الخمرة
ـ المستوى الثّالث : الخمرة كدافع للإبحار في اللّغة وتثوير الصّورة الشّعريّة.
تـدفع الخمرة في جانب كبير من حضورها مظفّر النّوّاب لـولوج أعماق قصيّة في اللّغة الشّعريّة ، وإلى استحضار صور غاية في الجمال ، وشخوص وذكريات...
يقـول في قصيدته "بحّار البحّارين" :
" يـا ابـن ذريـحٍ !
هـذي الحانة باردةٌ أوقـدْ صـوتَكَ
يـرحلْ بعـضُ الإثمِ من الحانةِ
يـا ابـن ذريحٍ !
هـاتِ لنـا نغمًـا
بعضَ المشتهيـاتِ من الصّـوتِ السّـابعِ !
قـلْ نغمًـا عصفـورًا
قـل نغمًـا سـرّةَ أنثـى
قـل نغمًـا طـرقةَ بـابِ مجهولٍ !"
وفي قصيد " ترنيمات استيقظت ذات صباح" يوغل الشّاعر بعيدا في لغته ، ويرتفع نسقها عاليا راسمة مشاهد مدهشة لم تعهدها اللّغة العربيّة كثيرا ، فيقول مخاطبا "العراق" المفقود وأطياف ماضيه البعيد :
" تقـرّبـتَ !
لا...لـم تقتـربْ
كُتِـب البعـدُ في قـافِ قـربكَ منّـي
وللقـافِ نَـرْدان أرميهما والمقاديـرُ تـرمي
ويخـرج عن دِينه النّـردُ ممّا لعبْنا وممّا خسرْنا
ولـم أنسحـبْ "
إنّ اللّغة لتـرقّ وتشفّ إلى حدّ يشعر القارئ بانسيابها وترقرقها ، فيسمع ما فيها من أصوات ، ويشمّ ما فيها من روائح :
" كم شرب الكوزُ خمرًا وجفّ
عامِلْه يا سيّدي أنّه جفّ بالخمرِ و...
آه من هذه الـواو تبـدي الذي خلفها
أطـردتْني وغلّقت البابَ خلفي
فلم ينغلـقْ غيرَ نصف انغلاقْ "
وحين يفضح الشّاعر واقعه واصفا إيّاه بالخراب والوحدة فإنّه يفضحه بشجاعة نادرة دون أن يعلّقه على مشجب الغير ، بل يعلن أنّه لو عاد مرّة أخرى للحياة فلن يختار سواه :
" أتلفّـتُ ألقـى حجـاريَ حولي
شظـايايَ ، أوراقَ شعري ، بقايايَ
حقّـا تهـدّمتُ !،،،
لكنّني في المكان الذي اخترتُ ،،،
(في الجزء القادم نبدأ تناول مظفّر شاعرًا بالعاميّة...)

11‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 7

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الخمـرة
أمّا المستوى الثّاني في علاقة مظفّر النّوّاب بالخمـرة فهو مستوى اللّذّة والفرح الذي يبلغ أحيانا حدّ الطّفوليّ ،وهي لحظات لا شكّ أنّ الشّاعر يقتنصها من بين ألم الغربة والاغتراب لتكون القصيدة فيها رقيقة ، طافحة بالمتعة وقريبة من نصوص الحسن بن هانئ ، وديك الجنّ وغيرهما.
ففي نصّ يحـوي أجمل الاستهلالات الخمريّة ، وهو قصيد " القبطان"، يبتـدئ مظفّر نصّه شفّاف العاطفة ،عاشقا مدنفا محبّا للحياة :
" اِسقنيهـا
وافضحـي فـيّ المَـلامَـا ،،،
بلغتْ نشـوتَهـا الخمـرةُ في خـدّيْـكِ
نثْـرَ الـوردِ في كأسِ النّـدامَـى ،،،
ورَوتْ مبسـمَ وردٍ نـزع التّاجَ بأرواحِ السّكارى
بمعانٍ نزعتْ ألفـاظَها
وقف العشـقُ على كفّيْه مجنونا من النّشوةِ
والعـودُ ارتخـتْ أوتـارُهُ
واللّحـنُ قـامَـا ،،،"
في هذا النّصّ نلتقي الشّاعر عليما بـ"أدب الشّرب" حريصـا على احترام مقام الخمرة :
" اِسقنيهـا
وفـدى خُفّيْـكِ من يشـرب خمـرًا
وهو لا يعرف للخمـرِ مقـامَـا ،،،
أيّهـا الشّـاربُ !
إن لم تـك شفّـافًا رقيقًا كـزجاجِ الكأسِ
لا تقربْ طقوسَ السّكرِ والكينونة الكبرى
فسـوء الخمـرِ يـؤذي بينما يقتل سوءُ الخلق
فاشربْهـا كريمًـا دمثًـا
تطمع أنّ النّارَ تستثنـي الكـرامَـا ،،،"
ويعطي للخمر تعريفا أوسع من كونها أداة للّذّة والفرح :
" إنّنـي صـبٌّ أسمّـي كـلّ ما يسلبُ لبّـي خمـرةً
إن كـان حُسنًـا
أو قـراحَ المـاء من كـفّ كريـمٍ
أو حـزامًـا نـاسِفًـا
أو بيـتَ شعـرٍ أو مـدامَـا ،،،"
...يتبع...

09‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا



الجـزء 6

التّمـازج بين الشّعر والحياة

الخمـرة

إنّ علاقة مظفّر بالخمرة لتحيل حقّا على أساطين الخمريّين العرب من كبار شعراء العصر الذّهبيّ للحضارة العربيّة ... أولئك الذين اتّخذوا من التّغنّي بالخمرة انتصارا للحياة خارج "السّياج الدّغمائيّ المغلق" بتعبير أركون ، وانتسابا للمهمّشين من الموالي والفقراء الذين جرحوا دولة الخراج وجرحتهم ، والذين قفزوا فوق هذا السّياج بفعل ثقافيّة عالية تمكّنوا من أدواتها نتيجة التّزاوج بين مدارس متنوّعة أثرت بحقّ مجتمعا قبل في الأخير حقيقة وجودها.
وتمتدّ علاقة مظفّر النّوّاب بالخمرة على ثلاث مستويات :
1 ـ الخمرة كملجإ مؤلم للاغتراب :
يقول في قصيدة "البقاع" :
" تستـدين مـن الصّحـبِ جـرعةَ خمـرٍ
وتـذكرةً ثُقِبـتْ مـرّتيْن ورقعـةَ ودّ
كأنّـكَ صنـدوقُ جمـعِ الإعانـاتِ للحـزن !"
ويقول عن نفسه :
" ثَمِـلٌ
ليس عيـبٌ على ثمـلٍ بالسّـلاحِ
فـإنّ العـراقَ قـديمٌ بهـذا الغـرام !"

إنّ الخمر في علاقتها بالغربة ليست هروبا تماما بل فرصة للذّكريات أيضا وشوق للعراق :
" يـا ربُّ لـم يبـق في العمـرِ شـيءٌ
سوى ساعتيْـن صبـاحًا على دجلـةٍ والعـراقُ معـافًى "
وتغنّ بالفدائيّ:
" سيّـدي كامـدَ اللّـوزِ
علّـمْ جيـوشًـا تقـاتلنا في الشّـوارع
أنْ تتخلّـقَ خلـقَ الـرّجالِ وليـس الضّبـاعْ،،،
سيّـدي كامـدَ اللّـوز
خُـذْ من غنائي الذي يمسح البندقيّة
واتـركْ حـروبَ الـدّمـوعِ
فهـنّ العـراقُ ينـوح بنـا في اللّقـاءِ
ينـوح بنا في الـوداعْ،،،"
وفي قصيدة "بحّار البحّارين" يقول :
" يـأخـذكَ الجـوّ
وترفع إبـريق الخمـرةِ في الهـمّ شـراعًـا
!"
...يتبع...