04‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 3
التّمـازج بين الشّعر والحياة


في الحركة الثّانية من وتريّات ليليّة تبلغ القصيدة أوج انسيابيّتها وقبضها على لحظات الهروب في القفر الإيرانيّ ،وتنفتح روح الشّاعر لتسع كلّ ما حولها وما فيها ،وتتّقـد الحواسّ لتلتقط الهواجس والـرّؤى :
" مَـنْ ذلـك يـأتي بيـن النّـثّ وبين عـواء الـذّئب
وبيـن هـروبـي في النّخـل ؟
يـرافقنـي نصـفَ الـدّربِ
وبعـد النّصف يقـول يـرافقني ! "
وبلغـة متعاليـة أنيقـة الإيقـاع والكلمـات ،تحويهـا صـور سورياليّة لا تقدر عليها سوى يـد رسّام عظيم (ومظفّر رسّام وموسيقيّ عازف على العود) يصـوّر مظفّر وصـوله منطقة "عربستان" العربيّة داخل إيران :
" فـاطبق صمـتٌ وبكـى النّخـل
وكانت سفـنٌ في آخرِ شـطّ العـرب احتفلتْ بـوصولي
ودّعنـي النّـوتيُّ وكان تنـوخيًّـا تتوجّـع فيه اللّكنـة
قـال : إلى أيـن الهجـرة ؟
فـارتبك الخـزرج والأوس بقلبي ! "
وتبـدأ مطـاردة الـذّئب الإيـرانيّ للشّاعـر :
" وشمّ الـذّئبُ الشّـاهنشـاشيُّ دمـي
سـال لُعـابُ الـذّئب علـى قـدمي
ركـض البستـانُ
وكان الـرّبُّ على أصغـر بـرعم وردٍ
نـاديتُ عليـه : ستُقتـل...فـاركـض ! "
ويـدخل الشّـاعر بيتـا لبعـض الفلاّحين ليلتقـط هـذا المشهد المـدهش :
" وجـدتُ فـوانيسَ الفـلاّحين
تُعيـن على المـوتِ حصـانًـا يحتضـرُ
عينـاهُ تضيئـان بضـوء خافـت فوق أنـوف الفـلاّحين
وينشـج لـو مـات على الـرّيحِ..."
لتلتقي روح الحصان بروح الشّاعر،فهو هنا يرسم الذّات والكون.ويحكي واقع هؤلاء الفلاّحين العرب تاريخا وعزما وأحلاما :
" وصرختُ إلهِـي !
أولاء الفلاّحين كـم انتظـروا
علّمهـم ذاك حُسين الأهـوازيُّ من القرن الرّابع للهجرة
علّمهم علـمَ الشّعـبِ على ضَـوءِ الفـانـوسِ وَلا واللّـه على ضـوء الظّلمـةِ !! "
...يتبع...

30‏/09‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 2
التّمـازج بين الشّعر والحياة
لا شكّ أنّ تجربة مظفّر النّوّاب الشّعريّة تجربة مميّزة وفريدة في الشّعر العربيّ الحديث ،فهذه التّجربة قد امتزجت تماما وتماهت مع حياته التي تقاسمها النّضال السّياسيّ والفدائيّ والغربة واللّيل .
ومظفّر النّوّاب ـ كما يقول د.عبداللّه الشّاهر ـ "ظاهرة خاصّة في سلوكه وحياته "،عاشها مشرّدا بين فنادق العواصم :
وآهٍ من العمرِ بين الفنادق لا يستريحْ ،،،
أَرحْني قليلاً ،
فـإنّي بـدهري جـريحْ ،،،
لقد كتب مظفّر النّوّاب تجربة هروبه من العراق باتّجاه روسيا،وصوّر بلغة دراماتيّة عالية جدّا عمليّة إلقاء القبض عليه في إيران في "وتريّات ليليّة" التي تعتبر أعظم قصيدة عربيّة معاصرة في مستوى إيقاعها الأركستراليّ الفخم وصورها الأخّاذة

"يا طيـرَ البَرقِ
لقد أوشك ماءُ العمرِ يجـفُّ قـريبَـا،،،
وفتحت معـابدَ روحي المهجـورة
إذْ كنت سمعتُك تخفق في اللّيلِ غريبَـا،،،
ونكاد نسمع أصوات روحه تتناهى في برّية الأهواز :
" نـاديتُ إلـهَ البـرّ سيكتشفـونِـي،،،
وسـأُقتل في البـرّ الـواسعِ
والـرّيحُ على أُفُــقِ البصـرةِ تـذرونِـي،،،
في العاشـر من نيسـانَ
نسيـتُ على أبـوابِ الأهوازِ عيـونِـي،،،"
ثمّ تنبثق من حنايا العذاب والحنين وتعلو صورة في غاية الاكتمال والتّوهّج:
" ورأيـتُ صبايا فـارسَ يغسلـن النّهدَ بمـاءِ الصّبـحِ

ينتفـض النّهـدُ كـرأسِ القـطّ من الغسـلِ،،،
أمـوتُ بنهـدٍ يحكم أكثر من كسـرى في اللّيل،،،
أمـوتُ بهنّ
تطلّعـن بخوفِ الطّيـرالآمِنِ في الماءِ إلى قسـوةِ ظلّـي،،،
مَن هذا المتسربلُ في اللّيل بكلّ زهـورِ النّخـلِ ؟،،،"
ويتوجّه نحو المطلَق ناشجا :
" خـذنـي وامسـحْ فانوسَكَ في اللّيلِ
تُشـعّ بكـلِّ الأســرارِ،،،
لا تَلُـمِ الكـافرَ في هذا الـزّمن الكـافرِ
فالجـوعُ أبـو الكفّـارِ،،،
مـولايَ أنا في صـفّ الجـوعِ الكـافرِ
ما دام الصّـفُّ الآخرُ يسجد من ثقـلِ الأوزارِ،،،
وأُعيـذكَ أن تغضـبَ منّـي
أنتَ المطـويُّ عليّ جناحـكَ في الأسحـارِ،،،...يتبع...

29‏/09‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 1

هـو مظفّـر بن عبد المجيد النوّاب ،ولـد في بغداد (الكرخ) سنة 1934 في أسرة شيعيّة عريقة من سلالة موسى الكاظم. وزيادة على ثرائها وارستقراطيّتها كانت أسرته تتذوّق الفنون والموسيقى .
وقد اكتشف أستاذه في الصّفّ الثّالث الابتدائيّ موهبته الشعريّة في قصّة طريفة رواها مظفّر بعد ذلك ،وخلاصتها أنّ هذا الأستاذ أعطى تلاميذه صدر بيت شعريّ نظمه هو يقول فيه : سهرنا ليلة في حفل عرسِ ،وطالبهم بإكمال العجز،فقال مظفّر مكمّلا : كأنّا جالسون بقرص شمسِ.
وفي المرحلة الإعداديّة أصبح ينشر قصائده في المجلاّت الحائطيّة.تابع مظفّر دراسته في كليّة الآداب ببغداد في ظروف اقتصاديّة صعبة،حيث فقد والده الثّريّ ثروته وضاع منه قصره الذي كانت تقام فيه الاحتفالات أثناء المناسبات الدّينيّة الشّيعيّة على مدار السّنة.
بعد تخرّجه،تمّ تعيينه مفتّشا بوزارة التّربية في بغداد سنة 1958 بعد انهيار النّظام الملكيّ.وبعد الصّراعات الدّمويّة بين الشّيوعيّين والقوميّين سنة 1963 اضطرّ لمغادرة العراق بسبب الملاحقة والمراقبة الشّديدة متوجّها نحو إيران،إلاّ أنّ "السّافاك" وهو البوليس السّرّي الإيرانيّ ألقى عليه القبض وهو في طريقه إلى روسيا،حيث تعرّض للتّعذيب .
وفي 28 / 12 / 1963 سلّمته السّلطات الإيرانيّة إلى العراق فحكم عليه بالإعدام،إلاّ أنّ ما بذلته أسرته من تدخّلات أدّى إلى تخفيف الحكم إلى السّجن المؤبّد.
ومن سجن "الحلّة" قام مظفّر،صحبة مجموعة من رفاقه بحفر نفق استطاع على إثره الهروب في عمليّة مدوّية،ثمّ توارى عن الأنظار مختفيا في بغداد،ثمّ توجّه إلى الأهواز،وعاش مع الفلاّحين حوالي سنة.
وفي سنة 1969 صدر عفو عن المعارضين،فرجع إلى التّعليم ثانية. ولم تطل حرّيته إذ سرعان ما عادت موجة الاعتقالات فغادر بغداد إلى بيروت ثمّ إلى دمشق،وراح ينتقل بين العواصم العربيّة والأروبية...
كرّس مظفّر النّوّاب حياته لتجربته الشّعريّة. المصدر : كتاب مظفّر النّوّاب شاعر المعارضة السّياسيّة ـ عبد القادر الحصني وهاني الخير ـ دار المنارة بدمشق ـ الطّبعة الأولى ـ 1994

28‏/09‏/2008

قصيـد للشّـاعر الكبير مظفّـر النـوّاب

هو شاعر استثنائيّ جدّا ،وأعتبـره شخصيّـا أعظـم شاعر عـربيّ ظهـر بعـد المتنبّـي...أقول هذا بعد قراءات موسّعة وتجربة شعريّة مطوّلة...وأزعم حتّى أنّه أكبر من أن يتمّ استيعاب تجربته الفريدة في الشّعر والحياة...وفي انتظار أن أتناول حياة وشعر هذا النّـوّاب تفصيلا أقـدّم لـه هذا النّـصّ الـرّائع.
بالخمر وبالحزن فؤادي
عسل الورد الخامل ريقك
والنهدان أراجيف دفوف لألاء،،،
اهتزّ كما يهتزّان
أحدّ من الشفرة طبعي
ورقيق ماء،،،
أوسخ طين سيدتي ينبت فلاًّ إن لقي الحبّ
ولا ينبت حين يساء،،،
وأطيب طين
مسكون بالغربة
يجري الفيروز بأوردتي حزنا
هل تسمح سيدتي أنساب إلى جانبها
ليس علي سوى برد العمر رداء،،،
دوريات الإخصاء تجوب الشارع
أغرب شيء
أي فم يفتح
فورا يجري التخدير ويخصى
ما هذا الصمت المتحرك بالشارع إلا إخصاء،،،
جئتك من كل منافي العمر
أنام على نفسي من تعبي
ما عدت أزور فنارا
البحر تخرب
يحتاج البحر إلى إصلاح
والغرق الآن هو الميناء،،،
مازلت على طاولة الحانة لست أعي
إلا ثملي بالكون
فالبعض على طاولة أخرى للسكر بدم المخلوقات
أنا .... هذي طاولتي
يقرأني من يرغب حسب ثقافته في العشق
وقد يخطئ لا أستاء،،،
يا من تسعل من كل مكان إلا حلقك
البرد شنيع وأنت تراقبني
العرب الأعراب من البحر إلى البحر بخير
وسجون ممتعة
وإسرائيل ترشّ علينا ماء الورد من الجوّ
وأنت تراقبني
ما أجمل هذا المنظر
إسرائيل ترش وأنت تراقبني.. مبسوط ....؟
مبسوط لا شك
وأنا واللّه كذلك جدا
شكرا .. ولديّ رجاء،،،
اكتب ما شئت لمن شئت بما شئت
ووجهك للحائط أرجوك
تشكيلة وجهك تزعجني
عفوا لا أقصد جرحك في شيء
هل ظلّ هنالك ما يجرح فيك
ولكن خطأ في خطإ تشكيلة وجهك
يا ربّ لماذا الأخطاء؟،،،
أنت مصرّ يا سيد تزعجني
هل آذيتك في شيء
أنزلت مرتبك الشهري؟
سبقتك في طابور الخبز؟
إن كنت بهذا التقرير توفر خبز عيالك
سيشبون حراما
أو كنت تريد شراء حذاء
أنت وتقريرك والراتب يا دوب حذاء،،،
أهل الحانة ناموا
سامحني لأنصرف الآن
فؤادي مملوء بالخمر وبالحزن
بي شوق أتمرغ بالرمل
ورائحة البطيخ بشاطئ دجلة
سامحني ان كنت أسأت فما قصدي
نفق القلب ....
أعشق ألقاك غدا في الحانة إنسانا
تقدر يا سيدي إن أنت تشاء،،،
فرشت وفي قلبي الحانة
مرتعش بالمطر الفضي
كهرّ فقد المأوى
أتمسح بالأبواب
أقوس ظهري الثلجي
برأسي مشغل ماس منتظر شحنة نهدك
والعمر يباب،،،
مولاي ... لقد نام ملوك الأرض وغّلقت الأبواب،،،
تنثرني الريح قبيل شجيرات الشارع والثلج
مطاعم آخر ساعات الليل تضيء هنا وهناك
تلكأ وجهي ...
أسمع طفلا يغثو في المهد
وأسمعه يغثو ..
يا رب يشبّ له وطنا
فأنا عشت بلا وطن
وأنا أعرف كيف يعيش الزرع السائب في الماء
ويشتاق إلى أي تراب،،،
عصفور في الشباك الضالع في نومك
زقزق في زخرفه الشامي
وأغمض عينيه على أقدام أغنية غناها
شغل الدنيا بالعشق
ولم يلق سوى الصيادين جواب،،،
هرم الصيد هرم الصيادون
ومازال العصفور كما كان يزقزق
كان يقول ..
إن مرّ حزين آخر ساعات الليل
كأن العصفور يقول له مساء الفلّ تأخرت
أقول صباح الخير لقد طلع الفجر
وبغداد تقوم الآن من الحلم بدون ثياب،،،
تمسح بالطل وزرقة قبل الفجر مفاتنها
تدخل عند اللّه وتخرج بالشمس وبالشاي
البصري الموجع بالنعناع
شواطئ دجلة ما زالت نائمة
والسيد قد نسي التقرير على طاولة الخمر وغادر
مكتوب في التقرير أن الخمرة سيئة
السيد كذاب السيد كذاب،،،
حتى في الخمرة يا سيد تكذب؟!!!
حتى في الخمرة يا سيد تكذب؟!!!
***********

25‏/09‏/2008

نصوص من تاريخ الجنسانيّة في الإسلام

الحلقة 24
ونواصل مع "ناكحي الأيدي" حيث يتابع الجاحظ تقديم ما رُوي من أخبار وما قيل من شعر:
وشعـرا في ذلك سمعنـاه وهـو :
إذا نـزلتَ بـواد لا أنيـس بـه ...... فـاجلـد عميـرةَ لا عـار ولا حـرج
وأنشدنا أبو عميرة النميريّ :
لـو أنّها رخصـت قضيت من وطـري...... لكنّ جلدتهـا تُربـي على السُّفَـن
أشكـو إلـى اللّـه نعـظًا قـد مُنيـت بـه ....... وما الأمـاني سـوى الإمـلاق والحـزن
وقال الذّكوانيّ يردّ على الأوّل قولـه :
جلـدي عميرة فيه العـار والحُـوبُ......والعجز مطّـرحٌ والفحش مسبـوبُ
وبالعـراق نسـاء كالمهـا نطـف........ بـأرخص السّـوم خدلاتٌ مناجيـبُ
وقـال الخزاميّ :
عيـالٌ عالـةٌ وكسـادُ سـوق......وأيـرٌ لا ينـام ولا يُنيـم
نفس المصدر ـ الجزء الخامس ـ ص 230