12‏/05‏/2009

زيارة إلى الشّيـخ إمـام : مَـوْلـى "الحـرافيش" ـ ج 3


خرجتُ ، ورغبة السهر تشتدّ بي ،، فالقاهرة مدينة لا تنام...وأنا أعشق ليلها ،وأهلها ، وضجيجها الرّائع...

ـ على فين يا باشا ؟

ـ إلى أيّ مكان أحتفل فيه بلقاء مع شخص ظللت أحلم به طويلا..

ـ يا بختو...ربّنا يخلّيكو البعض...سبني أختارلك حتّه على ذوقي !

كم يبدو قصيرا ليل القاهرة ! أنتِ أيّتها الجميلة المغتسلة بماء النّيل ! لكم تزهر روحي وتمتلئ رئتاي عشقا حين أمشي على أرصفتكِ العابقة بالأبخرة والشّذى...ولكم يهزّني صوت "السّت" منسابا من مقاهيك الدّافئة...كلّ شيء له طعم آخر في القاهرة...حتّى الأغاني الرّاقصة تمسي نغما من الفرح العذب...

لم أشعر بمرور الوقت...كانت السّاعة الخامسة صباحا حين دخلت الشقّة...لذلك كنت أشعر بضيق شديد وأنا أقف أمام باب بيت "مولانا" قريبا من منتصف النّهار...انتبهت إلى ما كتب على الباب : الشّيخ إمام عيسى الملحّن !

سمعت ضجّة بالدّاخل...لقد تأخّرت جدّا ، ويبدو أنّ لمولانا ضيوفا...تردّدت ثمّ قرعت الباب...

ـ أهلا ! إنت محمّد التّونسي ؟

ـ نعم ، يا آنسة.

ـ اتفضّل خالي مستنّيك من بدري !

والحقّ أنّ الفتاة جميلة جدّا...وعندما دخلت البهو ، كانت امرأة وفتاة أخرى تنظّفان المكان...اتّجهت نحو غرفة "مولانا"...وجدته مستلقيا على السّرير ، وعلى شفتيْه تلك الابتسامة السّاحرة...بادرني معاتبا وهو يضحك :

ـ كده يا واد ؟ ده أنا صحيت بدري عشانك

قاطعته :

ـ عذرا يا "مولانا" لم أستطع منع نفسي من السّهر...عندك ضيوف ؟

ـ دي أختي وبناتها ييجو كل يوم جمعة عشان يوضّبوا البيت...تعال اقعد !

تحدّثنا عن "الفنّ الملتزم" في تونس...وتحدّث "مولانا" عن أسماء بعينها ،،وأبدى اعجابه باسم بعينه...وأخبرني أنّ أحد هؤلاء قال له أثناء زيارته مع "نجم" إلى فرنسا أنّه يعرف "مسؤولا كبيرا" (في العهد السّابق) وأنّه سيكلّمه لإدخال "مولانا" إلى تونس...لكنّ "مولانا" رفض الفكرة بشدّة ، وأخبر هذا الفنّان بأنّه لن يقبل سوى دعوة الشّعب التّونسي...وقد تمّ ذلك لاحقا...

وأفضى إليّ "مولانا" بحرقة أنّ كثيرا من عائدات حفلاته في تونس بقيت عند أحدهم هناك ، على أساس أنّه سيتمّ تحويلها إلى دولارات وإرسالها إليه على حساب أحد الموظّفين في الجامعة العربيّة...ولم يصله ملّيم واحد !

شعرت بشيء من الضّيق ،حاولت أن أطرده يطلب أغنية...

ـ بس من غير عود يا محمّد...القلب تعبان والطّبيب مانعني...عاوز تسمع إيه ؟

ـ اللّي تحب يا مولانا .

وادْ يـا عبد الـودودْ

يا رابض عالحـدودْ

ومحافظ عاللّظام

كيفك يا واد ؟ صحيحْ ؟

عسى اللّه تكون مليحْ

وراقبْ للأمــامْ.....

وقـد عرفتُ أنّ هذه من أحبّ أغانيه إلى قلبه.....

30‏/04‏/2009

في بـردى والنّسرين...ودمشق الحزينة


أبكي مـدى الشّعـرِ إذ أبكيـكَ والكُتبَـا

وأغبط المـوتَ أن أشقـى بكَ العَـربَـا

جُـرحٌ أخيـرٌ بقلبـي قلتُ أتـرُكـــــهُ

لكـنّ مـوتَـكَ قــد أغـراهُ أن يَثِبَــــا

لَكـمْ أحـنُّ إلـى ليـلٍ بـلا قَمــــــــــرٍ

أبُثّــه الحـزنَ والأيّــامَ والشَّغَبَــــــا

وأُطلق الـرّوحَ وحدي والخرابُ معي

فالقلـبُ بعـدكَ أضحـى مُقفـرًا خَـرِبَا

يـا سيّـدَ الشّـامِ أَنعى فيـكَ أنفُسَنـا

وكـمْ نعـى ميّـتٌ نـاعيه وانتحبَـا

آهٍ علـى الحبّ مـن يسقِي خمـائلَه

ويُطعـم الشّعبَ من أشـواكه عِنَبَـا ؟

آهٍ على الشّعـرِ من يبكي بـدواتَنَـا

ومن سيفضـح فينا العُهـرَ والكـذِبَـا ؟؟

* * *

نامـتْ دمشقُ على حـزنٍ وقد أَرِقـتْ

زهـورُ غَـوطتها واستمطـرتْ عِنَبَـا

ورابـط اللّيـلُ فوق القلبِ مُشتعـلاً

فأَلهبَ المـاءَ والأغصـانَ والسُّحُبَـا

ظللتُ أَرتِـق جـرحي وهـو يغلبنـي

ويُخـرج الـدّمَ من جَـوفيْه واللّهَبَـا

مـالي وللمـوتِ؟لن أغتـابَ مـرثيَـةً

تُفيـق يـومًا ويـومًا تـدّعي التّعَبَـا

سأتـرُك القلبَ يَهْـذي أيّمـا هَـوَسٍ

وأُطلـقُ الفكـرَ عَدْوًا كان أمْ خَبَبَـا

مـاالموتُ ما يثقـبُ الجفنيْن من وجـعٍ

بل مـا يُشـرّدُ ستْـرَ الرّوحِ والحُجُبَـا

* * *

ليْتَ المحيطـاتِ لا تُفضـي إلى جهـةٍ

وليتنـي نـورسٌ يستقـرئ الشُّهُبَـا

حتّـى إذا مـات أحـلاها طـرِبْتُ لـه

لا يُحسـنُ الحزنَ مَن لا يُحسن الطّرَبَـا

يـا سيّـدي "بَرَدَى" سكـرانُ منطفـئٌ

لم يلمـسِ الكـأسَ بل من نفسـه شَرِبَـا

جرى الفراتُ بـدمعِ الشّـامِ قـاطبـةً

أَبْكَى "البُلَيْخ" وأبكى غربَها "حَلَبَـا"

و"الكاظميّةَ" و"المِنيا" و"قُنْفُـذةً"

ثـمّ "الشُّوَيْرِفَ" و"النّاظورَ" و"العَقَبَـا"

من الخليجِ إلى أقصـى المحيطِ دَمٌ

يبكي المغـامرَ والسّيـفَ الذي ذَهَبَـا

* * *

اِبْقَـيْ قليلاً ونـامي فـوق خـارطتِي

أنتِ المكـان الذي بالكـادِ قد قَرُبَـا

أنتِ المـرافئُ والشّطـآنُ إن شَـردتْ

مـراكبُ الرّوحِ حتّى أَفْنتِ الخَشَبَـا

لم يبـقَ بالكونِ شيءً أستظـلُّ بـه

ضاق الزّمانُ على قلبي بما رَحُبَـا

أَحُـطّ حِمْـلَ فراغاتي وبـي أمــلٌ

أظنّـه ميّتًـا نشـوانَ قــد صُلِبَــا

قـد حطّـم المـوجُ من أقـداحِه ثُلُثًــا

وأَذْرتِ الرّيحُ من أيّامـه النُّجُبَــا

لكـنّ مـوتَكَ يـا شـاميُّ يجمعنــا

إذا افتـرقْنا ولـم نعرفْ لنـا نَسَبَـا

* * *

الجـزء الثّاني من المرثيّة (بالعاميّة):

تنفّضْ مالَتْ رقبتَهْ وذْبِـلْ الـزّهِـرْ سْمِـعْ هَسيـسْ النّهِـرْ

طلَبْ غـالي يا صاحبي وادْفَـعْ المَهِـرْ

* * *

تنفّضْ مالتْ رقبته نسرينْ الشّامْ ولَفْ الدّنيـا ظـلامْ

بـرْقـتْ بين ستايـرهْ حلـوةْ لَبْسـامْ

خـدّاعـهِ لَيّـامْ

شـويّه منها يفـرّحَكْ والباقي حـرامْ

بالخـافي والجَهِـرْ

مـا نبكي علْ فرقتكْ نبكي عالقَهِـرْ

* * *

يـرجعشْ عُمـر الـزّهِـوْ يـا صاحبي والغـوالـي

ونلقـاكْ فـي يـومْ لَهِـوْ نتضاحكو بصوتْ عالي

نضحكْ قد أحزانّا نفدي مـا فـاتْ

نخلّـي اللّيل يبـاتْ

نخـشْ ردايِدْ ظلمته نشـدّو النّجمـاتْ

محمّد الخامس بن لطيّف

28‏/04‏/2009

زيارة إلى الشّيـخ إمـام : مَـوْلـى "الحـرافيش" (2)


انـدفعتُ أعانـق "مـولانا" وأقبّـل يـده ،دون أن ألحـظ استغرابه من هـذا الشّـوق الحـارّ...

قلـت ـ وأنـا لا زلـت أضمّـه ـ :

ـ اعـذر يـا "مـولانا" جـرأتي علـى زيارتك في مثل هـذا الوقت !

ردّ بـابتسامة هـادئة تنضـح صـدقا ، وبلكنة مـداعبة :

ـ ده الشّـوق للحبيب لـوه عمايل !

ضحكـتُ...وضحك "عـم كامـل" ليـدعوَني للجلـوس إلـى طـاولة صغيـرة علـى يمين بهـو الغـرفة من المـدخل... علّقت فوقها ـ علـى الجـدار ـ شهـادة تكـريم وحيـدة ، فـوجئتُ أنّها من "الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان"...

جلـس "مـولانا" علـى الكـرسيّ الثّـاني قريبًـا منّي حـدّ اللّمس ،،،فأومضت روحي ، وأحسست بمصـر كلّها تغمـرني...

استـأذننا "عـم كامل"...وخـرج...وظللـتُ منفـردا للحظـات مـع رجـل حلمـتُ طويـلا أن أسمع أغـانيه ، لا أن ألقاه في بيته...

ـ مـن فيـن بالضّبـط يا مْحَمَّـد ؟

ـ مـن الجنـوب يا "مـولانا" .

ـ قـابس ؟

ـ لسـتُ بعيـدا عنهـا .

ـ تعـرف "آمال الحمـروني" ؟ دي بنت ما فيش زيّهـا

ـ أعـرفها عن بعد...ولست قـريبا من "البحث الموسيقيّ" إلاّ قـرب استماع ومتابعة...

كـان في قلبي سـؤالان...وكنت أضمـرهما مـن زمـن غير قريب علـى أمل أن يجـيء يـوم كهـذا...سؤالان أعـرف أنّ "مولانا " وحـده يعـرف الإجابة عنهما.

ـ يـا سـلام...قـول يـا "محمّـد"

ـ مـولانا ! سمعت مـرّة صديقا يـردّد أغنية قال أنّها لـك...وقـد سمعها في إحـدى الإذاعات...يقول مطلعها :

امـلالي امـلالي امـلالي

واسقينـي الـود يـا غالي

ابتسم "مـولانا" تلك الابتسامة التي لن أنسى سحـرها أبـدا :

ـ آه...دي لحّنتها سنـة 1968...وإيـه يا سيـدي ثـاني؟

ـ سمعـت قصـيدا لشـاعر عربيّ يـذكر اسمك فيه...

ومهما السّجون تضمّ "إمـامًا"

يظـلّ على شفة الكادحين الغنـاءُ (مظفّر النّوّاب ـ عروس السّفاين)

ـ ده "مظفّر النواب"...جاني هنا سنة 1976 ، وقعد ع الكرسي اللّي قاعد عليه إنت دلوقت !

أحسست بامتنان للدّنيا ،وللصّدفة التي منحتني هذا اللّقاء...

عـاد "عم كامل" يحمل كأسيْن من الشّاي وضعهما أمامنا ، وبالكاد أخذت رشفة ، فلم أعد قادرا على أكثر من ذلك.

ـ أستأذنك يا "مولانا"... بكره (كذا) أراك !

ردّ مازحا :

ـ إنتو تقولو "غدوه"...يا سيدي حستنّاك...السّاعة تسعه الصّبح...ماشي ؟

ـ ماشي يا "مولانا"...تصبح على خير

ولستُ أدري إلى الآن كيف أحبّني "مولانا" و"عم كامل" بتلك السّهولة...حبّ عشته طيل الفترة التي قضّيتها في المحروسة...

(يتبع)