15‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 8
التّمازج بين الشّعر والحياة : الخمرة
ـ المستوى الثّالث : الخمرة كدافع للإبحار في اللّغة وتثوير الصّورة الشّعريّة.
تـدفع الخمرة في جانب كبير من حضورها مظفّر النّوّاب لـولوج أعماق قصيّة في اللّغة الشّعريّة ، وإلى استحضار صور غاية في الجمال ، وشخوص وذكريات...
يقـول في قصيدته "بحّار البحّارين" :
" يـا ابـن ذريـحٍ !
هـذي الحانة باردةٌ أوقـدْ صـوتَكَ
يـرحلْ بعـضُ الإثمِ من الحانةِ
يـا ابـن ذريحٍ !
هـاتِ لنـا نغمًـا
بعضَ المشتهيـاتِ من الصّـوتِ السّـابعِ !
قـلْ نغمًـا عصفـورًا
قـل نغمًـا سـرّةَ أنثـى
قـل نغمًـا طـرقةَ بـابِ مجهولٍ !"
وفي قصيد " ترنيمات استيقظت ذات صباح" يوغل الشّاعر بعيدا في لغته ، ويرتفع نسقها عاليا راسمة مشاهد مدهشة لم تعهدها اللّغة العربيّة كثيرا ، فيقول مخاطبا "العراق" المفقود وأطياف ماضيه البعيد :
" تقـرّبـتَ !
لا...لـم تقتـربْ
كُتِـب البعـدُ في قـافِ قـربكَ منّـي
وللقـافِ نَـرْدان أرميهما والمقاديـرُ تـرمي
ويخـرج عن دِينه النّـردُ ممّا لعبْنا وممّا خسرْنا
ولـم أنسحـبْ "
إنّ اللّغة لتـرقّ وتشفّ إلى حدّ يشعر القارئ بانسيابها وترقرقها ، فيسمع ما فيها من أصوات ، ويشمّ ما فيها من روائح :
" كم شرب الكوزُ خمرًا وجفّ
عامِلْه يا سيّدي أنّه جفّ بالخمرِ و...
آه من هذه الـواو تبـدي الذي خلفها
أطـردتْني وغلّقت البابَ خلفي
فلم ينغلـقْ غيرَ نصف انغلاقْ "
وحين يفضح الشّاعر واقعه واصفا إيّاه بالخراب والوحدة فإنّه يفضحه بشجاعة نادرة دون أن يعلّقه على مشجب الغير ، بل يعلن أنّه لو عاد مرّة أخرى للحياة فلن يختار سواه :
" أتلفّـتُ ألقـى حجـاريَ حولي
شظـايايَ ، أوراقَ شعري ، بقايايَ
حقّـا تهـدّمتُ !،،،
لكنّني في المكان الذي اخترتُ ،،،
(في الجزء القادم نبدأ تناول مظفّر شاعرًا بالعاميّة...)

11‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 7

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الخمـرة
أمّا المستوى الثّاني في علاقة مظفّر النّوّاب بالخمـرة فهو مستوى اللّذّة والفرح الذي يبلغ أحيانا حدّ الطّفوليّ ،وهي لحظات لا شكّ أنّ الشّاعر يقتنصها من بين ألم الغربة والاغتراب لتكون القصيدة فيها رقيقة ، طافحة بالمتعة وقريبة من نصوص الحسن بن هانئ ، وديك الجنّ وغيرهما.
ففي نصّ يحـوي أجمل الاستهلالات الخمريّة ، وهو قصيد " القبطان"، يبتـدئ مظفّر نصّه شفّاف العاطفة ،عاشقا مدنفا محبّا للحياة :
" اِسقنيهـا
وافضحـي فـيّ المَـلامَـا ،،،
بلغتْ نشـوتَهـا الخمـرةُ في خـدّيْـكِ
نثْـرَ الـوردِ في كأسِ النّـدامَـى ،،،
ورَوتْ مبسـمَ وردٍ نـزع التّاجَ بأرواحِ السّكارى
بمعانٍ نزعتْ ألفـاظَها
وقف العشـقُ على كفّيْه مجنونا من النّشوةِ
والعـودُ ارتخـتْ أوتـارُهُ
واللّحـنُ قـامَـا ،،،"
في هذا النّصّ نلتقي الشّاعر عليما بـ"أدب الشّرب" حريصـا على احترام مقام الخمرة :
" اِسقنيهـا
وفـدى خُفّيْـكِ من يشـرب خمـرًا
وهو لا يعرف للخمـرِ مقـامَـا ،،،
أيّهـا الشّـاربُ !
إن لم تـك شفّـافًا رقيقًا كـزجاجِ الكأسِ
لا تقربْ طقوسَ السّكرِ والكينونة الكبرى
فسـوء الخمـرِ يـؤذي بينما يقتل سوءُ الخلق
فاشربْهـا كريمًـا دمثًـا
تطمع أنّ النّارَ تستثنـي الكـرامَـا ،،،"
ويعطي للخمر تعريفا أوسع من كونها أداة للّذّة والفرح :
" إنّنـي صـبٌّ أسمّـي كـلّ ما يسلبُ لبّـي خمـرةً
إن كـان حُسنًـا
أو قـراحَ المـاء من كـفّ كريـمٍ
أو حـزامًـا نـاسِفًـا
أو بيـتَ شعـرٍ أو مـدامَـا ،،،"
...يتبع...

09‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا



الجـزء 6

التّمـازج بين الشّعر والحياة

الخمـرة

إنّ علاقة مظفّر بالخمرة لتحيل حقّا على أساطين الخمريّين العرب من كبار شعراء العصر الذّهبيّ للحضارة العربيّة ... أولئك الذين اتّخذوا من التّغنّي بالخمرة انتصارا للحياة خارج "السّياج الدّغمائيّ المغلق" بتعبير أركون ، وانتسابا للمهمّشين من الموالي والفقراء الذين جرحوا دولة الخراج وجرحتهم ، والذين قفزوا فوق هذا السّياج بفعل ثقافيّة عالية تمكّنوا من أدواتها نتيجة التّزاوج بين مدارس متنوّعة أثرت بحقّ مجتمعا قبل في الأخير حقيقة وجودها.
وتمتدّ علاقة مظفّر النّوّاب بالخمرة على ثلاث مستويات :
1 ـ الخمرة كملجإ مؤلم للاغتراب :
يقول في قصيدة "البقاع" :
" تستـدين مـن الصّحـبِ جـرعةَ خمـرٍ
وتـذكرةً ثُقِبـتْ مـرّتيْن ورقعـةَ ودّ
كأنّـكَ صنـدوقُ جمـعِ الإعانـاتِ للحـزن !"
ويقول عن نفسه :
" ثَمِـلٌ
ليس عيـبٌ على ثمـلٍ بالسّـلاحِ
فـإنّ العـراقَ قـديمٌ بهـذا الغـرام !"

إنّ الخمر في علاقتها بالغربة ليست هروبا تماما بل فرصة للذّكريات أيضا وشوق للعراق :
" يـا ربُّ لـم يبـق في العمـرِ شـيءٌ
سوى ساعتيْـن صبـاحًا على دجلـةٍ والعـراقُ معـافًى "
وتغنّ بالفدائيّ:
" سيّـدي كامـدَ اللّـوزِ
علّـمْ جيـوشًـا تقـاتلنا في الشّـوارع
أنْ تتخلّـقَ خلـقَ الـرّجالِ وليـس الضّبـاعْ،،،
سيّـدي كامـدَ اللّـوز
خُـذْ من غنائي الذي يمسح البندقيّة
واتـركْ حـروبَ الـدّمـوعِ
فهـنّ العـراقُ ينـوح بنـا في اللّقـاءِ
ينـوح بنا في الـوداعْ،،،"
وفي قصيدة "بحّار البحّارين" يقول :
" يـأخـذكَ الجـوّ
وترفع إبـريق الخمـرةِ في الهـمّ شـراعًـا
!"
...يتبع...

07‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 5

التّمـازج بين الشّعر والحياة : الغـربة

لا تكاد تخلو حياة شاعر عظيم من غربة حادّة ، غربة في المكان تحيله إلى رحّالة مبعد ، وغربة في الرّوح تفضي به إلى وحدة جارحة.
وإن كان المتنبّي مثالا لما نقول فإنّ مظفّر النّوّاب سليل المنافي والغربة بامتياز...لقد عاش متنقّلا بين عواصم العالم وقارّاته : من بيروت إلى دمشق إلى اليونان وفرنسا والهند وبانكوك والجزائر وليبيا وفنزويلاّ والبرازيل والتشيلي والسّودان...والقائمة تطول.
هذا التّرحال المستمرّ شحن قصائده بحزن عميق أخّاذ وغربة كتب من حدّتها أجمل قصائده ،ففي قصيد "قراءة في دفتر المطر" يصرخ مظفّرفي وجه الوطن :
" نحن الإثنان بلا وطـنٍ يا وطني !"
كما يصرخ في وجه الأهل والنّاس :
" حقّرتم حزني
المبغى في ليل مدينتكم أكثر تسلية من حزني
القبر بليل مدينتكم أكثر أفراحًا منّي
وأنا من أقصى الحزن أتيت
أبشّـر بالإنسان
"
ثـمّ يتوجّه نحو المطلق بلغة غنائيّة عاتبة :
" لا تتـركْني !
فالشّـكّ سيقتل فيّ الإنسان !
لا تتـركني !
أفلسـتَ المنقـذَ ؟
أفلسـتَ رفيقَ المتّسخين ؟ "
وفي قصيدته "جـزر الملـح" يصبح الشّاعر بحّارا قديما ، ويستعمل ضمير المخاطب ليرسم نفسه في لحظات الغربة ضعيفا متهالكا :
" أَرسِ المركبَ يا ولـدَ البحـرِ !
كبـرتَ علـى الـرّحلاتِ
وصارت عينـاكَ تنـزّان دمـوعًـا
حيث تحـدّق في الـزّمن الآتـي
وتـرعش كفّـاكَ الحاضنتان لعـود الكبـريتِ
وأنتَ تضـيء سـراجَ القمْـرةِ "

ويحكي ثمـلا بالكون وحدته الكبرى :
" أنـتَ قفـزتَ وحيـدًا في الجبل العلـويّ
ومكتشفًـا وحـدتَكَ القصـوى "

وحين يلـوم الـذّات يخاطبها مباشرة :
" فـاسدةٌ هـذي البيضـةُ...
فاسـدةٌ يا ولـدِي لا يخرج منها عصفـورٌ !
فلمـاذا تحمل عـشَّ البيـضِ الفاسـدِ
في دَوْحـةِ كفّيْـك حـريصًـا ؟
أَلْـقِ العـشَّ إلـى البحـر
تحـرّرْ أنّـكَ ملتصـقٌ بـالبـرِّ !"
لقد بلغ الشّاعر هنا أقصى الـرّؤيا وأقصى الحـدوس :
" أغمضْـتُ
وفي رأسي نهـدٌ
والـرّأسُ لقد فـرّ مع الطّيـرِ صبـاحًـا "

...يتبع...

06‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الجـزء 4

إنّ مظفّر النّوّاب لا يكتب باللّغة بل يرسم بها حقّا حتّى لكأنّ قارئه يتأمّل فضاءات لوحة خالدة...انظروا معي هنا كيف تضوع الرّائحة ،ويتصاعد الدّخان وتتواثب الوطاويط :
" أطلـق فـلاّحٌ في أقصـى الحِنطـةِ نـارًا
فـانقضّـتْ كـلُّ وطـاويطِ الشّـاهِ هنـاك "
إنّ مظفّـر النّـوّاب لا يهـوّم لغته ،ولا يرهقها بما يفسد مزاجها من غموض قسريّ وتكثيف متهافت ،وهو واضح في موقفه هذا وكثير التّصريح به.فعن سؤال طرحه عليه اسماعيل زاير عن رأيه في شعر الحداثة أجاب مظفّر : " هناك من يتحدّث عن تفجير اللّغة...لا يوجد مثل هذا المصطلح...هذا ضحك على الذّقون...هناك تطوير للّغة وتعامل معها بمحبّة وودّ ولتكون قريبة وصديقة ".
فحين يصل القارئ إلى هذا المشهد من القصيدة ( وتريّات ليليّة ـ الحركة الثّانية ) فإنّه يشعر بالغثيان من جرّاء صور التّعذيب الذي مارسه "السّافاك" الإيرانيّ على جسد الشّاعر وروحه :
" وقفتُ أمامَ الجلاّدِ
بصقـتُ عليه من الأنفِ إلى القدميْن
فدُقّتْ رأسي ثانيةً بالأرض
وجـيء بكرسيٍّ حُفِـرتْ هـوّةُ رعـبٍ فيه
ومُـزّقت الأثـوابُ عليّ
ابتسم الجلاّدُ كأنّ عناكبَ قد هربتْ
أمسكني من كتفيّ وقال :
على هذا الكرسيّ خصيْنا بضعَ رفاقٍ فـاعترفِ الآن !"
وفي تلك اللّحظات المؤلمة تتراءى الشّخوص والأطياف من وعي الشّاعر ومن لاوعيه ، يستحضرها وتحضر لتشدّ من عزمه حتّى لا ينهـار :
" كان أبـو ذرّ خلف زجاج الشّبّاك المقفل
يزرع فيّ شجاعته...فرفضتُ
وكانت أمّي واقفةً قـدّامَ الشّعبِ بصمتٍ...فرفضتُ "
لقد طُلب من الشّاعر أن يتعهّد بأن لا يتسلّل ثانية للأهواز ، فهم كانوا يجهلون هويّته...فأجاب :
" للشّـاعرِ الـفُ جـوازٍ في الشّعـرِ
وألفُ جـوازٍ أن يتسلّـلَ للأهـواز ،،،
يـا قلبيَ ! عشـقُ الأرضِ جـواز "

...يتبع...