07‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 5

التّمـازج بين الشّعر والحياة : الغـربة

لا تكاد تخلو حياة شاعر عظيم من غربة حادّة ، غربة في المكان تحيله إلى رحّالة مبعد ، وغربة في الرّوح تفضي به إلى وحدة جارحة.
وإن كان المتنبّي مثالا لما نقول فإنّ مظفّر النّوّاب سليل المنافي والغربة بامتياز...لقد عاش متنقّلا بين عواصم العالم وقارّاته : من بيروت إلى دمشق إلى اليونان وفرنسا والهند وبانكوك والجزائر وليبيا وفنزويلاّ والبرازيل والتشيلي والسّودان...والقائمة تطول.
هذا التّرحال المستمرّ شحن قصائده بحزن عميق أخّاذ وغربة كتب من حدّتها أجمل قصائده ،ففي قصيد "قراءة في دفتر المطر" يصرخ مظفّرفي وجه الوطن :
" نحن الإثنان بلا وطـنٍ يا وطني !"
كما يصرخ في وجه الأهل والنّاس :
" حقّرتم حزني
المبغى في ليل مدينتكم أكثر تسلية من حزني
القبر بليل مدينتكم أكثر أفراحًا منّي
وأنا من أقصى الحزن أتيت
أبشّـر بالإنسان
"
ثـمّ يتوجّه نحو المطلق بلغة غنائيّة عاتبة :
" لا تتـركْني !
فالشّـكّ سيقتل فيّ الإنسان !
لا تتـركني !
أفلسـتَ المنقـذَ ؟
أفلسـتَ رفيقَ المتّسخين ؟ "
وفي قصيدته "جـزر الملـح" يصبح الشّاعر بحّارا قديما ، ويستعمل ضمير المخاطب ليرسم نفسه في لحظات الغربة ضعيفا متهالكا :
" أَرسِ المركبَ يا ولـدَ البحـرِ !
كبـرتَ علـى الـرّحلاتِ
وصارت عينـاكَ تنـزّان دمـوعًـا
حيث تحـدّق في الـزّمن الآتـي
وتـرعش كفّـاكَ الحاضنتان لعـود الكبـريتِ
وأنتَ تضـيء سـراجَ القمْـرةِ "

ويحكي ثمـلا بالكون وحدته الكبرى :
" أنـتَ قفـزتَ وحيـدًا في الجبل العلـويّ
ومكتشفًـا وحـدتَكَ القصـوى "

وحين يلـوم الـذّات يخاطبها مباشرة :
" فـاسدةٌ هـذي البيضـةُ...
فاسـدةٌ يا ولـدِي لا يخرج منها عصفـورٌ !
فلمـاذا تحمل عـشَّ البيـضِ الفاسـدِ
في دَوْحـةِ كفّيْـك حـريصًـا ؟
أَلْـقِ العـشَّ إلـى البحـر
تحـرّرْ أنّـكَ ملتصـقٌ بـالبـرِّ !"
لقد بلغ الشّاعر هنا أقصى الـرّؤيا وأقصى الحـدوس :
" أغمضْـتُ
وفي رأسي نهـدٌ
والـرّأسُ لقد فـرّ مع الطّيـرِ صبـاحًـا "

...يتبع...

06‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

التّمـازج بين الشّعر والحياة
الجـزء 4

إنّ مظفّر النّوّاب لا يكتب باللّغة بل يرسم بها حقّا حتّى لكأنّ قارئه يتأمّل فضاءات لوحة خالدة...انظروا معي هنا كيف تضوع الرّائحة ،ويتصاعد الدّخان وتتواثب الوطاويط :
" أطلـق فـلاّحٌ في أقصـى الحِنطـةِ نـارًا
فـانقضّـتْ كـلُّ وطـاويطِ الشّـاهِ هنـاك "
إنّ مظفّـر النّـوّاب لا يهـوّم لغته ،ولا يرهقها بما يفسد مزاجها من غموض قسريّ وتكثيف متهافت ،وهو واضح في موقفه هذا وكثير التّصريح به.فعن سؤال طرحه عليه اسماعيل زاير عن رأيه في شعر الحداثة أجاب مظفّر : " هناك من يتحدّث عن تفجير اللّغة...لا يوجد مثل هذا المصطلح...هذا ضحك على الذّقون...هناك تطوير للّغة وتعامل معها بمحبّة وودّ ولتكون قريبة وصديقة ".
فحين يصل القارئ إلى هذا المشهد من القصيدة ( وتريّات ليليّة ـ الحركة الثّانية ) فإنّه يشعر بالغثيان من جرّاء صور التّعذيب الذي مارسه "السّافاك" الإيرانيّ على جسد الشّاعر وروحه :
" وقفتُ أمامَ الجلاّدِ
بصقـتُ عليه من الأنفِ إلى القدميْن
فدُقّتْ رأسي ثانيةً بالأرض
وجـيء بكرسيٍّ حُفِـرتْ هـوّةُ رعـبٍ فيه
ومُـزّقت الأثـوابُ عليّ
ابتسم الجلاّدُ كأنّ عناكبَ قد هربتْ
أمسكني من كتفيّ وقال :
على هذا الكرسيّ خصيْنا بضعَ رفاقٍ فـاعترفِ الآن !"
وفي تلك اللّحظات المؤلمة تتراءى الشّخوص والأطياف من وعي الشّاعر ومن لاوعيه ، يستحضرها وتحضر لتشدّ من عزمه حتّى لا ينهـار :
" كان أبـو ذرّ خلف زجاج الشّبّاك المقفل
يزرع فيّ شجاعته...فرفضتُ
وكانت أمّي واقفةً قـدّامَ الشّعبِ بصمتٍ...فرفضتُ "
لقد طُلب من الشّاعر أن يتعهّد بأن لا يتسلّل ثانية للأهواز ، فهم كانوا يجهلون هويّته...فأجاب :
" للشّـاعرِ الـفُ جـوازٍ في الشّعـرِ
وألفُ جـوازٍ أن يتسلّـلَ للأهـواز ،،،
يـا قلبيَ ! عشـقُ الأرضِ جـواز "

...يتبع...


04‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 3
التّمـازج بين الشّعر والحياة


في الحركة الثّانية من وتريّات ليليّة تبلغ القصيدة أوج انسيابيّتها وقبضها على لحظات الهروب في القفر الإيرانيّ ،وتنفتح روح الشّاعر لتسع كلّ ما حولها وما فيها ،وتتّقـد الحواسّ لتلتقط الهواجس والـرّؤى :
" مَـنْ ذلـك يـأتي بيـن النّـثّ وبين عـواء الـذّئب
وبيـن هـروبـي في النّخـل ؟
يـرافقنـي نصـفَ الـدّربِ
وبعـد النّصف يقـول يـرافقني ! "
وبلغـة متعاليـة أنيقـة الإيقـاع والكلمـات ،تحويهـا صـور سورياليّة لا تقدر عليها سوى يـد رسّام عظيم (ومظفّر رسّام وموسيقيّ عازف على العود) يصـوّر مظفّر وصـوله منطقة "عربستان" العربيّة داخل إيران :
" فـاطبق صمـتٌ وبكـى النّخـل
وكانت سفـنٌ في آخرِ شـطّ العـرب احتفلتْ بـوصولي
ودّعنـي النّـوتيُّ وكان تنـوخيًّـا تتوجّـع فيه اللّكنـة
قـال : إلى أيـن الهجـرة ؟
فـارتبك الخـزرج والأوس بقلبي ! "
وتبـدأ مطـاردة الـذّئب الإيـرانيّ للشّاعـر :
" وشمّ الـذّئبُ الشّـاهنشـاشيُّ دمـي
سـال لُعـابُ الـذّئب علـى قـدمي
ركـض البستـانُ
وكان الـرّبُّ على أصغـر بـرعم وردٍ
نـاديتُ عليـه : ستُقتـل...فـاركـض ! "
ويـدخل الشّـاعر بيتـا لبعـض الفلاّحين ليلتقـط هـذا المشهد المـدهش :
" وجـدتُ فـوانيسَ الفـلاّحين
تُعيـن على المـوتِ حصـانًـا يحتضـرُ
عينـاهُ تضيئـان بضـوء خافـت فوق أنـوف الفـلاّحين
وينشـج لـو مـات على الـرّيحِ..."
لتلتقي روح الحصان بروح الشّاعر،فهو هنا يرسم الذّات والكون.ويحكي واقع هؤلاء الفلاّحين العرب تاريخا وعزما وأحلاما :
" وصرختُ إلهِـي !
أولاء الفلاّحين كـم انتظـروا
علّمهـم ذاك حُسين الأهـوازيُّ من القرن الرّابع للهجرة
علّمهم علـمَ الشّعـبِ على ضَـوءِ الفـانـوسِ وَلا واللّـه على ضـوء الظّلمـةِ !! "
...يتبع...

30‏/09‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 2
التّمـازج بين الشّعر والحياة
لا شكّ أنّ تجربة مظفّر النّوّاب الشّعريّة تجربة مميّزة وفريدة في الشّعر العربيّ الحديث ،فهذه التّجربة قد امتزجت تماما وتماهت مع حياته التي تقاسمها النّضال السّياسيّ والفدائيّ والغربة واللّيل .
ومظفّر النّوّاب ـ كما يقول د.عبداللّه الشّاهر ـ "ظاهرة خاصّة في سلوكه وحياته "،عاشها مشرّدا بين فنادق العواصم :
وآهٍ من العمرِ بين الفنادق لا يستريحْ ،،،
أَرحْني قليلاً ،
فـإنّي بـدهري جـريحْ ،،،
لقد كتب مظفّر النّوّاب تجربة هروبه من العراق باتّجاه روسيا،وصوّر بلغة دراماتيّة عالية جدّا عمليّة إلقاء القبض عليه في إيران في "وتريّات ليليّة" التي تعتبر أعظم قصيدة عربيّة معاصرة في مستوى إيقاعها الأركستراليّ الفخم وصورها الأخّاذة

"يا طيـرَ البَرقِ
لقد أوشك ماءُ العمرِ يجـفُّ قـريبَـا،،،
وفتحت معـابدَ روحي المهجـورة
إذْ كنت سمعتُك تخفق في اللّيلِ غريبَـا،،،
ونكاد نسمع أصوات روحه تتناهى في برّية الأهواز :
" نـاديتُ إلـهَ البـرّ سيكتشفـونِـي،،،
وسـأُقتل في البـرّ الـواسعِ
والـرّيحُ على أُفُــقِ البصـرةِ تـذرونِـي،،،
في العاشـر من نيسـانَ
نسيـتُ على أبـوابِ الأهوازِ عيـونِـي،،،"
ثمّ تنبثق من حنايا العذاب والحنين وتعلو صورة في غاية الاكتمال والتّوهّج:
" ورأيـتُ صبايا فـارسَ يغسلـن النّهدَ بمـاءِ الصّبـحِ

ينتفـض النّهـدُ كـرأسِ القـطّ من الغسـلِ،،،
أمـوتُ بنهـدٍ يحكم أكثر من كسـرى في اللّيل،،،
أمـوتُ بهنّ
تطلّعـن بخوفِ الطّيـرالآمِنِ في الماءِ إلى قسـوةِ ظلّـي،،،
مَن هذا المتسربلُ في اللّيل بكلّ زهـورِ النّخـلِ ؟،،،"
ويتوجّه نحو المطلَق ناشجا :
" خـذنـي وامسـحْ فانوسَكَ في اللّيلِ
تُشـعّ بكـلِّ الأســرارِ،،،
لا تَلُـمِ الكـافرَ في هذا الـزّمن الكـافرِ
فالجـوعُ أبـو الكفّـارِ،،،
مـولايَ أنا في صـفّ الجـوعِ الكـافرِ
ما دام الصّـفُّ الآخرُ يسجد من ثقـلِ الأوزارِ،،،
وأُعيـذكَ أن تغضـبَ منّـي
أنتَ المطـويُّ عليّ جناحـكَ في الأسحـارِ،،،...يتبع...

29‏/09‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 1

هـو مظفّـر بن عبد المجيد النوّاب ،ولـد في بغداد (الكرخ) سنة 1934 في أسرة شيعيّة عريقة من سلالة موسى الكاظم. وزيادة على ثرائها وارستقراطيّتها كانت أسرته تتذوّق الفنون والموسيقى .
وقد اكتشف أستاذه في الصّفّ الثّالث الابتدائيّ موهبته الشعريّة في قصّة طريفة رواها مظفّر بعد ذلك ،وخلاصتها أنّ هذا الأستاذ أعطى تلاميذه صدر بيت شعريّ نظمه هو يقول فيه : سهرنا ليلة في حفل عرسِ ،وطالبهم بإكمال العجز،فقال مظفّر مكمّلا : كأنّا جالسون بقرص شمسِ.
وفي المرحلة الإعداديّة أصبح ينشر قصائده في المجلاّت الحائطيّة.تابع مظفّر دراسته في كليّة الآداب ببغداد في ظروف اقتصاديّة صعبة،حيث فقد والده الثّريّ ثروته وضاع منه قصره الذي كانت تقام فيه الاحتفالات أثناء المناسبات الدّينيّة الشّيعيّة على مدار السّنة.
بعد تخرّجه،تمّ تعيينه مفتّشا بوزارة التّربية في بغداد سنة 1958 بعد انهيار النّظام الملكيّ.وبعد الصّراعات الدّمويّة بين الشّيوعيّين والقوميّين سنة 1963 اضطرّ لمغادرة العراق بسبب الملاحقة والمراقبة الشّديدة متوجّها نحو إيران،إلاّ أنّ "السّافاك" وهو البوليس السّرّي الإيرانيّ ألقى عليه القبض وهو في طريقه إلى روسيا،حيث تعرّض للتّعذيب .
وفي 28 / 12 / 1963 سلّمته السّلطات الإيرانيّة إلى العراق فحكم عليه بالإعدام،إلاّ أنّ ما بذلته أسرته من تدخّلات أدّى إلى تخفيف الحكم إلى السّجن المؤبّد.
ومن سجن "الحلّة" قام مظفّر،صحبة مجموعة من رفاقه بحفر نفق استطاع على إثره الهروب في عمليّة مدوّية،ثمّ توارى عن الأنظار مختفيا في بغداد،ثمّ توجّه إلى الأهواز،وعاش مع الفلاّحين حوالي سنة.
وفي سنة 1969 صدر عفو عن المعارضين،فرجع إلى التّعليم ثانية. ولم تطل حرّيته إذ سرعان ما عادت موجة الاعتقالات فغادر بغداد إلى بيروت ثمّ إلى دمشق،وراح ينتقل بين العواصم العربيّة والأروبية...
كرّس مظفّر النّوّاب حياته لتجربته الشّعريّة. المصدر : كتاب مظفّر النّوّاب شاعر المعارضة السّياسيّة ـ عبد القادر الحصني وهاني الخير ـ دار المنارة بدمشق ـ الطّبعة الأولى ـ 1994