26‏/04‏/2009

زيارة إلى الشّيـخ إمـام : مَـوْلـى "الحـرافيش" (1)


كـانت السّـاعة تشيـر إلـى العـاشـرة ليـلا...وكانـت القـاهـرة تغسـل قـدميْهـا فـي مـاء نيلهـا الخـالـد ، وتضـجّ بالحيـاة والسّهـر...

كنـت قـد أتممـتُ للتّـوّ إجـراءات كـراء شقّـة فـي حـيّ "الأزبكيّـة" ، وكـان شـوقي للقـاء "مولانا" (كمـا يناديه أصدقـاؤه) قـد منعنـي مـن أن أرجـئ زيـارتي "الثّقيلة" هـذه لصبـاح الغـد...

ـ "حـيّ الغـوريّه" من فضلـك !

أخـذ سـائق التّاكسي يتحـدّث عـن إعجابـه بتـونس وأهلهـا ، علـى عـادة المصـرييّن في لطفهـم ولبـاقتهم...لم تكـن المسـافة طـويلة...

ـ هـوّه ده الحـي يـا بـاشا...خـش إيمين !

لا أعـرف أحـدا...لا أعـرف عنـوانا...وليـس معـي سـوى شـوقي ،وإصـرارٍ عجيب علـى الـوصـول إلـى بيت "مولانا"...دخلـت أوّل مقهى صـادفني...هـرع النّـادل...

ـ منوّر يـا بـاشا !

ـ أريد شـايـا ! وأريد أيضـا أن تدلّنـي علـى بيت "الشّيـخ إمـام" !

ـ آه...دي عـاوزة شويّة ترتيبات...إنت تشـرب الشّاي ، وحتصـرّف.

تكلّـم النّـادل اللّطيف مـع أحـدهم ، ثـمّ جـاءا معـا ، وطلـب منّـي الشّـابّ الآخـر أن أتبعه... وبـدأت رحلـة الـدّخول إلى زقاق ضيّـق إلى أخـر أكثـر ضيقًـا ، حتّـى وصـل بـي مـرافقي إلـى دكّـان صغيـر مكتـوب عليـه "الحـاج كامـل القمصانجي"...

و"الحـاج كـامل" رجـل في عمـر "مولانـا" علـى عـلاقة وطيـدة بـه منـذ زمـن بعيـد...ابنـه طبيب ، ويتابـع حـالة "الشّيخ" في تلـك الأيّـام من مـرضه الصّعب...

عـرف "عـم كـامل" (كمـا أصبحتُ أناديه) أنّني مصـرّ علـى رؤيـة "مولانـا" ،،فـأغلـق دكّـانه...وسـار بـي حتّـى وصلنـا عمـارة قديمـة مظلمـة تتكـدّس أمـامها أكيـاس القمامة... صعـدنا السّلّم ، ووجـدت "عـم كامل" يـدفع الباب منـاديا :

ـ مـولانـا ! عنـدك ضيف مـن تـونس.

وأضـاء نـور الغرفـة...

كـان "الشّيخ" يستعـدّ للنّـوم كمـا بـدا من ثيابـه ، وكـان يقف قـرب ثـلاّجة صغيـرة...

ـ أهـلا بالحبـايب...اتفضّـل !

(يتبع)

15‏/04‏/2009

محمّـد الطّـويل : لـواء الشّعـر الخفّـاق(3)




في ذلـك اللّقـاء الجميـل...

تحـدّث "الطّويل" عـن عـلاقته بـ"البـرغوثي" الـذي لا يـذكـره إلاّ بـاسم "سي احمـد" احتـراما وإكبـارا ، وكيف اعتـذر منه حين خـالفه فـي كيفيّة قطـع ضحضـاح "الـدّغّـاري" الشّهيـر ، حيث صـوّر "البـرغوثي" رحلـة العبـور على حصـان ، بينمـا رأى "الطّـويل" استحـالة ذلـك إلاّ بـواسطة الجمـل.

وأطـرف مـا سمعـت مـن "محمّـد الطّـويل" في ذلـك اللّقـاء قصيـد نـادر عـن "ثورة الفاتح"...قـال :

حين تولّى "القذّافي" ورفاقه السّلطة في ليبيا سنة 1969 كنـتُ هنـاك...وقـد تـمّ استدعائي للّقاء مع إحدى الشّخصيّات المهمّة...فوجئت بوجود "عبد السّلام جلّود" ضمن مجموعة كبيرة من الشّعراء اللّيبيّين...لم أكن أعرف سبب الدّعوة ، ولذلك شعرتُ ببعض الحرج حين بـدأ الشّعـراء يلقون قصائـدهم عن الثّورة...

وصل دوري ، فقلتُ مرتجـلا :

اليُـومْ فـرحْـتِ ليبـيا وفـرحـوا جيـرانِـكْ

فـرحة طـولْ زمـانِـكْ

كنـتِ عميَـا مغمّضـه وانحلُّـوا أعيـانِـكْ

وقـد أُعجب "جلّود" بالقصيـد أيّمـا إعجـاب ، وفضّـل "المـرزوقي" على شعراء ليبيـا (انتهت رواية الطّويل)

والقصيد من القصائد النّادرة لشاعر أخشى أنّ كثيرا من شعره قد ضاع...وللأسف الشّديد حتّى ابنه لم يكتب أو يسجّل له شيئا قبل وفاته...ويبقى أملي في واحد من محبّي هذا الشّاعر الفريد وهو "العيدي بلغيث" الذي سمعتُ أنّه جمع كثيرا ممّا كتب "الطّويل"...وأتمنّى على "أبي ناظم" و"الشّكري" و"إبراهيم وكمال بن لطيّف" و"منصور فرج" و"علي لسود"...وكثير من أهل دوز المساعدة في إصدارهذا الديوان...قريبا...

13‏/04‏/2009

محمّـد الطّـويل : لـواء الشّعـر الخفّـاق (2)


فـوجئنـا بـه متّكـئا علـى الجـدار الخـارجيّ للـ"حـوش" ينظـر إلـى المـارّة في الطّـريق ، أو هكـذا خيّـل إلينـا...

سلّمنـا بحـرارة ، وانتسبنـا ، فتهلّلت أسـارير وجهـه ، واستقـام جالسـا :

ـ أتعـرفـان أنّ الشّعـر "جـاءنـي" مـن جـدّكما ؟ فـأسرتي "الطّـوال" لـم تنجب شاعـرا قبلـي !

بـدأنا نحـاول النّفـاذ إلى عمقـه ببعض الأسئلـة...كـان الـرّجل بحـرا من الكـلام الطّلق...مسهبـا في الحـديث عن القبيلة وأفخـاذها وبطـونها ، فهو نسّـابة مقتـدر...

سـألتـه : مـا الشّعـر ؟

أجـاب مستشهـدا ببيتيْن من قصيـدة لـه شهيـرة :

مَعْنَـى وقـافيـهْ وشـارحْ وبَـزْ

وشاعـرْ بَحَـرْ في معنـى الـرّموز

ستـلاحظون مثلي أنّ رؤيـة "الطّويل" للشّعـر كمفهـوم تتقـاطع في جـزء منهـا مـع المسّلمـات التّقليـديّة...إنّما تتجـاوزه في جانب آخـر عنـد اعتبـاره الـرّمز إحـدى قـواعد الشّعـر...

تحـدّث ، كـأنّما إلـى نفسه ، عـن الوزن الشّعـريّ ، وكيف أنّ البعض من الشّعـراء المعـروفين يسقط وزنـه دون أن ينتبه لـذلك أحـد...سـألنـاه عـن سبب شهـرة قصـائده ، وإعجاب النّاس بها...فـردّ الأمـر إلى اعتمـاده أكثـر من إيقاع وأكثـر من نـوع في القصيـد الـواحد ، مثلمـا فعل في "قسيمه" الـرّائع :

أحّيـت روحي فـدّتْ والـراسْ راح شِيـبْ

ويـا صاحبـي نحكيلـكْ ببّـاهِـر البـدوعْ

حيـث يتخلّص "الطّويل" من هـذا الوزن ليبلـغ حـدود الإيقـاع الـرّاقص :

يـا جـدودي لثنِيـنْ

إِلّيِيمـتْ نـرعيكـمْ

لي مـدّه وسْنيـنْ

نستنّــى فيكـــمْ

(...يتبع...)