13‏/12‏/2008

إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (5)

سيّدتي !
ـ أريد أن أسكر هذه الليلة!
هكذا افتتح " فكري " جلستنا .كان منحنيا على جهاز التّسجيل الهرم يضع شريطا لفيروز.تمتم كأنّما يخاطب نفسه:
ـ هذه المرأة أغنتني عن كل الآلهة!
هتفتُ بسخرية غير صادقة:
ـ الآلهة؟ صحّ النوم! ألم يبلغك بعد أن البشريّة، أو معظمها ،قد وحّدت آلهتها في واحد أوحد؟
واصل " فكري " غير عابئ بملاحظتي اللاّهوتية:
ـ ليس سهلا أن تملأ فراغ آلهة ماتت في قلبك.
تناولت كأسي الأولى...تأملت صفاء النبيذ بها...قلت بصوت حزين:
ـ آه كم تحمل هذه الكأس من شجن الذكرى،ومن تعب الحاضر..سأعدّ كمْ جثة تطفو فوقها...واحدة...اثنتان...ثلاث...
سأعد بالعشرات أفضل...
ـ دعنا من قتلاك يا سيد " أحمد "...نريدها ليلة أنس.قاطعني "فكري ".
ـ تقصد ليلة بلا ذوات؟وهل أقدر؟
ـ رغما عنك...ابلع ذاتك واصمت...
ثم رفع صوته يتابع أغنية بدت لي حزينة...أفرغت كأسي وخيل إلي أنني رأيت وجه " قمر "بأسفلها كزنبقة مبلّلة بالمطر...تضايقت..لا أطيق الشرب في هذا الجو القسريّ...كان عليّ أن أختار نديما آخر غير " فكري "...هو لا شكّ أقرب صديق لي،ولكنه يتعمّد لجم الكشف العميق للذات،وإقصاء التفاصيل التي تحلو لكلّ منا ـ وأنا خاصّة ـ تتبّع خيوطها في الماضي..قصة حب صغيرة مثلا...تعود لأيام الدراسة،رسالة ما من أحد ما،أغنية لم يبق منها سوى لحن أعرج ضاعت كلماته بين صرير العمر...وكلّما ساءلت نفسي:لمَ يحظى " فكري " بهذه المكانة رغم القرف الذي يقطر من لسانه؟ كانت الإجابة أسرع مما تصوّرت:لأنّني بحاجة إليه...بحاجة إلى من يوقف هذا السفرالمتواصل،والإبحار العميق بعيدا عن النّاس والعالم إلى جزر قصيّة،صنعتها من أحلام وأوهام،أغلقها على نفسي قانعا ،راضيا،سعيدا،منتصرا لذاتي المتحرّرة من قيودهم وسذاجتهم...
ـ لا تنس الكأس!نحن بالكاد ابتدأنا.
وصلتني صيحة " فكري " كأنّما من علوّ شاهق،،طفوت..
ـ أفق!أين الغيبة؟
سيّدتي !
هذا هو الجزء الأوّل من رواية أكتبها الآن...وكما ترين فإنّك بين ثناياها ،بل أنت بدؤها !فما بدء الأشياء سوى أعظمها.
بقي أن أعترف لكِ...فالأغنية التي وضعها "فكري" كانت :
ابواب ابواب

شي غرب شي اصحاب...


11‏/12‏/2008

سمرا يام عيون وساع ـ الستّ (استماع)


إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (4)


سيّدتي !
كنت ممتلئًا بكِ...حيث أنّني أمتلك مجموعة من أغانيك ظللت طويلاً أحسب أن لا أحد يمتلك مثلها...ثمّ ،وذات صباح ، وكنت أستعدّ للخروج فجرًا سمعت هذه...
سيّدتي !
كان البرد في قلبي وفي خارجه قاطعًا،وكان قلبي كعصفور يتيم تحت المطر...سمعت :
سمـرا يا أم عيون وساع
والتّنّورة النّيليّه
مطرح ضيّق ما بيوساع
راح حطّـك بعينيّ
كنتِ أنتِ ...أنتِ تملئين الفراغ من حولي،وتقفين كما عهدتكِ شجرا مورقًا في عتمة الفجر الأبديّ...
سيّدتي !
كانت الإذاعة التّونسيّة تبثّها ،وكان المذيع رجلا أعرفه (كنت أغار من أنّه يحبّك)...أذكر اسمه لا بأس...إنّما ليس الآن... فلا اسم يمرق معك يا زهرة العرب الجميلة !
طلبت الإذاعة...وجاءني صوت نسويّ محايد :
ـ تفضّل !
ـ أريد أن أسأل عن الأغنية.
ـ ماذا تريد ؟
ـ أرجو أن ترسلوا لي هذه الأغنية يا آنسة !
ـ عليك الاتّصال بسي....بعد السّاعة العاشرة !
سيّدتي !
لم يكن لي أن أنتظر سوى صدفة ...صدفة جاءت بعد خمس سنوات طويلة...لأستمع إليكِ تغنّين : سمرا يا أم عيون وساع...
لِمْ بتكوني حدّي بشوف
الدنيي مزارع ورد وفل
جوانح تعبانة ورفوف
حساسين تزقزق وتطل

09‏/12‏/2008

حبّيتك تنسيت النّوم ـ الستّ ـ استماع

إلـى فيـروز : زهرة الشّرق الحالم (3)

سيّدتـي !
أنا حزين حدّ الصّمت...في يوم لا يفترض فيه كلّ هذا الحزن...ولكنّ أبا الطّيّب سبقني في القول...بما مضى أم لأمر فيك تجديد ؟
حزين بأعماق روحي في عيد أعرف أنّك لم تعيدي فيه مسرحة العالم ،ولم تتقرّبي إلى الآلهة بدم...بارد...
سيّدتي !
حزين ،وسأكشف لكِ سرّي الصّغير...لقد بكت ابنتي خروفها !...وأبكتني.
أهديتها أغنيتك ظلّك عيد ...إنّما قد بلغ حزنها مشارف حزني الدّهريّ...والتقيا كمرج البحريْن...كسهم في قلب جرح نازف...
سيّدتي !
أنا زجاج هشّ على إطار من حديد...وأغنية عصفور في صيحة محارب قديم.
ألجأ إليكِ حين يبلغ القيح الحنجرة...فأغسل مجاهيل روحي على أعتاب صوتك الأسطوريّ...وأرى العالم بابتسامة عريضة باكية...
هونيك فيه سجره على النّبع العتيق !
كيف الوصول إلى ما تشير بوصلاتك ؟ كيف ؟؟
أنا طفل ينام ملء جفنيْه بهدهدة صوتك ! وأنا أهدي أغانيك للأطفال كما تُهدى الحلوى والبالونات والطائرات الورقيّة.
أهديتك ابنتي غفران فأحبّتكِ ،وتحوّل الدّمع في عينيها إلى خرز أخضر نقيّ...
قالت : بربّي سمّعني "السّت"...

Fairouz.jpg


HOSTED FREE AT BOXSTR.COM