05‏/11‏/2008

العرب والخمرة (3)

ويواصل الرّقيق القيروانيّ طرح الإشكال " بدم بارد " معتمدا ما اعتمده سابقوه ممّن ظنّوا أنّهم استوفوا تقعيد الفقه وأغلقوا باب كلّ اجتهاد ووضعوا القفل في جيوب عباءاتهم أي الرّواية إظهارا وتورية .
يقول في تفريق العرب ـ لغة ـ بين الخمر والنّبيذ :
قال القلمس :
أروي بها نفسي فتحيا بشربها ولا أشتهي شرب النّبيذ من التّمر
عنى بشربها الخمرة.
كما يستشهد بسوادة بن الصّامت وأبي الأسود الدّؤليّ ليصرّح :
فهؤلاء فصحاء العرب ، فرّقوا بين عصير العنب وغيره فسمّوه خمرا دون سائر الأشربة ، وقد أجمعوا أنّ قليل الخمر وكثيره حرام ، وأكثرهم يشرب ما دون السّكر من سائر الأشربة لأنّها لا تعرف عندهم بخمر ، ولو كانت خمرا لكان القليل منها حراما ، وقد رووا عن ابن عبّاس عن النّبي (ص) أنّه قال : حُرّمت الخمر بعينها والسّكر من كلّ شراب... فإن قال قائل : قد روينا عن جماعة من أصحاب رسول اللّه (ص) منهم عمر (ض) أنّهم قالوا : إنّ الخمر من الزّبيب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير والذرة وأنّ الخمر ما خامر العقل ، وما روي عن أنس أنّه كان يسقي عمومته من الأنصار حتّى دخل عليهم داخل فقال : إن الخمر قد حرّمت فأمروه بإراقتها ولم يكن خمرهم يومئذ إلاّ الفضيح. وما شابه ذلك من الأخبار قيل له إنّ هذه أخبار آحاد لا يثبت بها أن يطبقوا على تحريم سائر الأشربة الشّديدة لوجود اسم الخمر لها عندهم ، فلمّا لم يجمع المسلمون ولا اشتهرت عن العرب وجب بطلان ما ادّعاه من سمّى هذه الأشربة خمرا إذ كانت الأسماء لا تؤخذ بالقياس.
وقد صحّ بالأخبار المتواترة أنّ نبيذ التّمر كان فاشيا بالمدينة يشربه أهلها غنيّهم وفقيرهم ويجري عندهم مجرى أقواتهم ، فلولا أنّه أراد إطلاق الأشربة لهم لنصّ عليه كما نصّ على الخمر لأنّ النّصّ عليه أولى لشهرته وكثرة متناوليه ولقلّة الخمر ، فإنّها لا تكاد توجد عندهم.
ثمّ يردّ القيروانيّ على من أخذ الأحاديث على ظواهرها ، كحديث (ص) كلّ مسكر حرام ، فيقول :
اللّبن الرّائب يسكر كثيره...وليس أحد من المسلمين يسمّي اللّبن خمرا.والبنج يسكر والنّوم يسكر، وإذا جاز أن تخرج هذه الأشياء من جملة قوله : كلّ مسكر حرام ، جاز أن تخرج سائر الأشربة الشّديدة التي من عصير العنب من جملة الخمر.
...يتبع...

27‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (2)

يستشهد القيروانيّ برؤوس اللإسلام وقادته الأوائل لتعميق المأزق الفقهيّ وليحيل مسألة التّحريم الجماعيّ للخمر دون التّمييز بين أنواعها إلى نمط من الخطإ المتأخّر الذي صاحب "تقعيد" الفقه تاريخيّا على يد علماء الكلام.
يقول : وكان عمر بن الخطّاب يشرب الصّلب (أي النّبيذ الشّديد) ، ويقول : يقطع هذا اللّحم ما في بطوننا (يقصد بذلك لحم الإبل) .
وقال الشّعبيّ : شرب أعرابيّ من إداوة خمر،فحدّه عمر للسّكر لا للشّرب.ودخل عمر على قوم يشربون ،فقال : نهيتكم عن معاقرة الشّراب فعاقرتم ،وهمّ بتأديبهم ،فقالوا : مهلا يا أمير المؤمنين ،نهاك اللّه عن التّجسّس فتجسّست ،ونهاك عن الدّخول بغير إذن فدخلتَ ،فانصرف وهو يقول : كلّ النّاس أفقه منك يا عمر !
يقول القيروانيّ : وإنّما نهاهم عن المعاقرة وإدمان الشّراب حتّى يسكروا ، ولم ينههم عن الشّرب.
وكان سفيان الثّوريّ يشرب النّبيذ الصّلب الذي تحمرّ منه وجنتاه ، واحتجّ أيضا كما احتجّ غيره بحديث عليّ بن أبي طالب : إنّ القوم يجلسون على الشّراب وهو حلال فلا يزالون حتّى يكون عليهم حراما.
ورُوي عن عثمان بن أبي العاص أنّ عمر (رض) لمّا فطر قال : أعندكم من شرابكم شيء ؟ قالوا : نعم ،فأتوه به ،فشمّه فسطع في خياشيمه فكسره بالماء وشربه.
وروي عن عمرو بن ميمون أنّ عمر قال : إنّا لنشرب من النّبيذ الشّديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا ،قال : وشربتُ ممّا عُمل له فكان نبيذا شديدا.
وكتب يعلى بن أميّة إلى عمر (رض) : إنّا نؤتى بقوم شربوا الشّراب ،فكتب إليه : من أُتيت به فاستقرئه أمّ الكتاب وألق رداءه وأردية أخرى ،فإن لم يعرف رداءه فأقم عليه الحدّ.
ورُوي عن عبد الرّحمان بن أبي ليلى عن أبيه قال : تعشّيتُ عند عليّ (رض) فسقاني طِلاء فلمّا قمت لأخرج كان الطّريق يمنة فأخذت يسرة ، فدعاني عليّ فقال : لعلّ شرابنا أخذ برأسك . يا جارية خذي معه قبسا.
وروي عن الحسن بن عليّ أنّ رجلا سأله عن النّبيذ ، قال : اشربه فإن خفت أن تسكر فدعه !
...يتبع...

26‏/10‏/2008

العـرب والخمرة (1)

مـدخل : كتابان من أهمّ ما ألّف العرب شدّاني وأعتبرهما مدخليْن رئيسيْن لفحم تاريخانيّة العقل العربيّ ، فُتنت بهما حدّ القراءات المسترسلة بما أنّهما مكّناني من استقراء تاريخ الدّولة وتاريخ المجتمع عبر تشابكات الزّمن .هما " الخراج" لأبي يوسف و"قطب السّرور في أوصاف الخمور" للرّقيق القيروانيّ.
وفي اتظار تناول كتاب "الخراج" ، أتعرّض في هذه المرحلة إلى الكتاب الثّاني الذي تعرّض لإشكاليّة من أهمّ إشكاليّات الفقه الإسلاميّ ألا وهي الموقف من الخمر.
هل ثمّة اتّفاق على المفهوم ؟ وعلى التّحريم ؟ وعلى ما ألفناه من القياس الأرسطيّ المستخدَم للبتّ في المسألة ؟
الإشكاليّة والمأزق الفقهيّ :
يقول الرّقيق القيروانيّ : أمّا تحريم الخمر فمجمَع عليه ، لا اختلاف فيه بين اثنيْن من الإئمّة والعلماء ، وتحريم النّبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب رسول اللّه (ص) والتّابعين بإحسان حتّى لقد اضطرّ محمّد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلمانيّ عن النّبيذ ، فقال له عبيدة : أختُلف علينا في النّبيذ.
وكان عبيدة ممّن أدرك أبا بكر وعمر ، فما ظنّك بشيء اختلف فيه النّاس وأصحاب النّبيء متوافرون ؟ فمن بين مطلقٍ وكارهٍ ، وكلّ يقيم الحجّة لمذهبه والشّاهد على قوله.
فما هو النّبيذ أوّلا ؟
يقول القيروانيّ : هو كلّ ما نبذ في الدّباء والمزفّت حتّى اشتدّ حتّى يسكر كثيره ، وما لم يشتدّ فليس يُسمّى نبيذا.وهو ما لم يُغل من عصير العنب فليس يُسمّى خمرا.
قال حفص بن غيات : كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث فسترتُه ، فقال : لمَ سترته ؟ فكرهتُ أن أقول لئلاّ يراه من يدخل ، فقلتُ : كرهت أن يقع فيه الذّباب ، فقال لي : هيهات ، هو أمنع من ذلك جانبا !
ثمّ يستعرض القيروانيّ اختلافات الفقهاء في التّحريم والإباحة إلى أن يقول :
وقد شرب رسول اللّه من سقاية العبّاس ، فوجده (يعني النّبيذ) شديدا فقطّب بين عينيه ، ودعا بذنوب من ماء زمزم فصبّ عليه ، وقال : إذا كان هكذا فاكسروه بالماء.ولو كان حراما لأراقه وما صبّ عليه من ماء ثمّ شربه.
وكان النّبيء قد نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثمّ وفدوا عليه بعد ذلك فرآهم مصفرّة ألوانهم ، سيّئة حالهم ، فسألهم عن قصّتهم ، فأعلموه أنّهم كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم منه ، فأذن لهم في شربه.
ثمّ ، وهذا أكبر ما أُشكل عليهم ، أنّ ابن مسعود ( وما أدراك ما بن مسعود) قال : شهدنا التّحريم وشهدتم ، وشهدنا التّحليل وغبتم. وهو الذي كان يشرب الصّلب من النّبيذ حتّى كثرت الرّوايات به عنه ، وشُهرت وأُذيعت واتّبعه عليها من الكوفيّين ، وجعلوه أعظم حججهم . قال في ذلك شاعرهم :
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ....في جوف خابية ماء العناقيد
إنّي لأكره تشديد الرّواة لنـا ...فيها ويعجبني قول ابن مسعود
...يتبع

18‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 9
مظفّر شاعرا عامّيّا
" عـوّدتني
انتظر...وارسمْ على الأيّام موعد
قتلي من يعتق جرح..جرحين
يتلاقه وجعها...
عوّدتني
أترك إبّيتك بطاقة عيد وموعد
وأكتب ببابك إذا مسافر...كلمتين
ولقيتك امسافر من غير رجعة..."
مظفّر النّوّاب ليس شاعرا شعبيّا...بل هو الشّاعر الذي أوجد الشّعر العاميّ الحديث في العراق ، وساهم في تطويره وإغنائه وتكوين مدرسته الخاصّة به التي لقيت شعبيّة لا مثيل لها ، بل أنّ مظفّرا هو بالأساس شاعر بالعامّيّة اشتهر بقصائده الفصحى .
لقد برزت عبقريّة النّوّاب في كونه ارتقى بالقصيدة العامّيّة إلى مستوى القصيدة الفصيحة شكلا...ولغة...وحين استغرب البعض من اللّغة المكتوبة في نصوصه العامّيّة اعتمادا على الشّكلانيّة زعما بأنّ الشّعب لا يتكلّم بمثل هذه اللّغة ، قال مظفّر " هذه لغتي أنا...وليست لغة الشّعب" ، وذلك صحيح تماما فالشّاعر يصنع اللّغة لا العكس...
تعود علاقة مظفّر بالشّعر العامّيّ كما يقول هو إلى أسباب أربعة :
ـ بيئته الطّفوليّة التي عاشها والقريبة من أجواء بيته المشحونة بهدهدات المهد والأهازيج والسبايات .
ـ قدرة العامّيّة على ملامسة النّاس مثلما كان الأمر مع العامّيّة المصريّة.
ـ تمتّع العامّيّة بغنى جماليّ موروث وغير مدروس جيّدا.
ـ عامل شخصيّ يعود إلى زيارته سنة 1955 إلى أهوار العمارة (إحدى مدن جنوب العراق الرّئيسيّة) حيث استمع إلى بعض المغنّين " غرير " و"جويسم" و" سيّد فالح" الذين أذهلوه بغنائهم...لحظتها كما يقول "تكشّف له عالم مهمل لكنّه مليء بالجمال..."
لقد شبّه مظفّر الكتابة بالعاميّة بالنّحت على الطّين "كونها مطواعة وبعيدة عن موضوع النّحو والإرث البلاغيّ ثمّ أنّ اشتقاقاتها تمنح الشّاعر سعة وحريّة في اشتقاق أيّة مفردة ربّما غير موجودة أساسا أمّا في الفصحي فذلك غير ممكن لأنّ الاشتقاقات لها طبيعتها النّحويّة".
ومظفّر لا يعتبر العامّيّة مضادّا للثّقافة العربيّة تشتّت الإنجاز العربيّ الإبداعيّ ، وهو يرى أنّ لها عالمها ومزاياها كما للشّعر الفصيح مزاياه...
" يا حِـزن ! يا ريت أعرفك
كنت أسوّيلك حديقة
وممشى من كاشي الفرح قدّام بيتك
يا حزن يا ريت أعرفك وين تسكن
كنت أقلّك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافه
وحدي كنت أجيتك !
يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك "
...يتبع...

15‏/10‏/2008

مظفّـر النّـوّاب : شاعـرا ومنـاضلا

الجـزء 8
التّمازج بين الشّعر والحياة : الخمرة
ـ المستوى الثّالث : الخمرة كدافع للإبحار في اللّغة وتثوير الصّورة الشّعريّة.
تـدفع الخمرة في جانب كبير من حضورها مظفّر النّوّاب لـولوج أعماق قصيّة في اللّغة الشّعريّة ، وإلى استحضار صور غاية في الجمال ، وشخوص وذكريات...
يقـول في قصيدته "بحّار البحّارين" :
" يـا ابـن ذريـحٍ !
هـذي الحانة باردةٌ أوقـدْ صـوتَكَ
يـرحلْ بعـضُ الإثمِ من الحانةِ
يـا ابـن ذريحٍ !
هـاتِ لنـا نغمًـا
بعضَ المشتهيـاتِ من الصّـوتِ السّـابعِ !
قـلْ نغمًـا عصفـورًا
قـل نغمًـا سـرّةَ أنثـى
قـل نغمًـا طـرقةَ بـابِ مجهولٍ !"
وفي قصيد " ترنيمات استيقظت ذات صباح" يوغل الشّاعر بعيدا في لغته ، ويرتفع نسقها عاليا راسمة مشاهد مدهشة لم تعهدها اللّغة العربيّة كثيرا ، فيقول مخاطبا "العراق" المفقود وأطياف ماضيه البعيد :
" تقـرّبـتَ !
لا...لـم تقتـربْ
كُتِـب البعـدُ في قـافِ قـربكَ منّـي
وللقـافِ نَـرْدان أرميهما والمقاديـرُ تـرمي
ويخـرج عن دِينه النّـردُ ممّا لعبْنا وممّا خسرْنا
ولـم أنسحـبْ "
إنّ اللّغة لتـرقّ وتشفّ إلى حدّ يشعر القارئ بانسيابها وترقرقها ، فيسمع ما فيها من أصوات ، ويشمّ ما فيها من روائح :
" كم شرب الكوزُ خمرًا وجفّ
عامِلْه يا سيّدي أنّه جفّ بالخمرِ و...
آه من هذه الـواو تبـدي الذي خلفها
أطـردتْني وغلّقت البابَ خلفي
فلم ينغلـقْ غيرَ نصف انغلاقْ "
وحين يفضح الشّاعر واقعه واصفا إيّاه بالخراب والوحدة فإنّه يفضحه بشجاعة نادرة دون أن يعلّقه على مشجب الغير ، بل يعلن أنّه لو عاد مرّة أخرى للحياة فلن يختار سواه :
" أتلفّـتُ ألقـى حجـاريَ حولي
شظـايايَ ، أوراقَ شعري ، بقايايَ
حقّـا تهـدّمتُ !،،،
لكنّني في المكان الذي اخترتُ ،،،
(في الجزء القادم نبدأ تناول مظفّر شاعرًا بالعاميّة...)